خطبة انقلاب الموازين

خطبة انقلاب الموازين

     الحمد لله الذي خلق كل شيء فقدَّره تقديرًا، وجرت الأمور على ما يشاء حكمة وتدبيرًا، ولله ملك السماوات والأرض، وإليه يرجع الأمر كله، ولن تجد من دونه وليًّا ولا نصيرًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له سبحانه، له الملك وله الحمد، وكان الله على كل شيء قديرًا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بين يدي الساعة بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعهم وسلم تسليمًا كثيرًا، وبعد: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:102].

     عباد الله: لقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم ببعض المظاهر بين يدي الساعة توضح اختلال الموازين وتغير المعايير لدى الناس، فقال صلى الله عليه وسلم: «سيَأتي علَى النَّاسِ سنواتٌ خدَّاعاتُ يصدَّقُ فيها الكاذِبُ ويُكَذَّبُ فيها الصَّادِقُ ويُؤتَمنُ فيها الخائنُ ويُخوَّنُ فيها الأمينُ وينطِقُ فيها الرُّوَيْبضةُ» قيلَ وما الرُّوَيْبضةُ؟ قالَ: «الرَّجلُ التَّافِهُ يَتَكَلَّمُ في أمرِ العامَّةِ» [رواه ابن ماجه].

     فَكُلَّمَا قَرُبَ انْتِهَاءُ الدُّنْيَا؛ كَثُرَ وَظَهَرَ انْقِلَابُ الْمَوَازِينِ وَتَغَيَّرَتِ الْمَفَاهِيمُ، وَالسَّبَبُ جَهْلُ النَّاسِ وَبُعْدُهُمْ عَنْ تَعَالِيمِ دِينِهِمْ، وَتَأْثِيرُ الدُّنْيَا بِزَخَارِفِهَا وَحُطَامِهَا عَلَى عُقُولِهِمْ، وَاتِّبَاعُهُمْ لِلشَّهَوَاتِ وَالْمَلَذَّاتِ وَبَعْضِ الشُّبُهَاتِ الْمُخَالِفَةِ لِمَا جَاءَ فِي شَرْعِ رَبِّهِمْ، ومن ذلك قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ، يَسْتَحِلُّونَ الحِرَ وَالحَرِيرَ، وَالخَمْرَ وَالمَعَازِفَ» [رواه البخاري]، الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، كَمَا قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ» وَلَكِنْ عِنْدَمَا تَنْقَلِبُ الْمَوَازِينُ وَتَتَغَيَّرُ الْمَفَاهِيمُ، يُصْبِحُ الْحَلَالُ حَرَامًا وَالْحَرَامُ حَلَالًا، فَمَنْ أَشَارَ إِلَيْهِمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ؛ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ؛ أَيِ: الزِّنَا، والْحَرِيرُ حَرَامٌ عَلَى الذُّكُورِ دُونَ الْإِنَاثِ، وَلَكِنَّهُمْ يَسْتَحِلُّونَ لِبَاسَهُ وَالْعِيَاذُ بِاللهِ، وَأَمَّا الْخَمْرُ، فَكَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «لَيَشْرَبَنَّ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا» [رواه ابن ماجه]. غَيَّرُوا اسْمَهَا فَصَارَتْ حَلَالًا بَيْنَهُمْ، يُطْلِقُونَ عَلَيْهَا مُسَمَّيَاتٍ أُخْرَى مَعَ وُجُودِ عِلَّةِ الْإِسْكَارِ فِيهَا.

    وَالْمَعازِفُ يَسْتَحِلُّونَهَا؛ وَهِيَ آلَاتُ اللَّهْوِ وَالْمُوسِيقَى وَالطَّرَبِ، يَسْتَمِعُونَ لَهَا وَتُضْرَبُ بَيْنَهُمْ، وَلَا يَرَوْنَ بَأْسًا فِي ذَلِكَ، بَلْ قَدْ يُنْكِرُونَ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ وَاَلْعِيَاْذُ بِاَللهِ.

     فَانْقِلَابُ الْمَوَازِينِ، وَتَغَيُّرُ الْمَفَاهِيمِ، وَوَضْعُ الْأَشْيَاءِ فِي غَيْرِ مَوَاضِعِهَا، وَاعْتِبَارُ الْأُمُورِ عَلَى غَيْرِ حَقِيقَتِهَا؛ مِنْ كَوَارِثِ وَمَصَائِبِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَمَاذَا يُرْجَى وَيُؤَمَّلُ مِنْ أُمَّةٍ تُسَمِّي الْخُمُورَ مَشْرُوبَاتٍ رُوحِيَّةً، وَالزِّنَا زَوَاجَاتٍ سَفَرِيَّةً، وَالرِّبَا فَوَائِدَ بَنْكِيَّةً، وَالتَّبَرُّجَ وَالسُّفُورَ وَالِاخْتِلَاطَ وَالِانْحِلَالَ وَالْخَلْوَةَ الْمُحَرَّمَةَ؛ حُرِّيَّةً، وَالسَّلَاسِلَ وَالْأَسَاوِرَ وَالْقَلَائِدَ وَالْقَصَّاتِ؛ تَقَدُّمًا وَحَضَارَةً.

     بل انقلبت الموازين في البر وصلة الرحم فأصبح البعض لا يبر والديه ولا يصل رحمه إلا عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي وتقل الزيارات، وانقلبت الموازين في العفاف والحجاب فأصبح يُفهم التستر عند بعض النساء بأنه غطاء على الرأس مع لبس البنطال الكاشف لحدود عورتها والقميص الضيق على صدرها!

     أليس من انقلاب الموازين في زماننا أن تأخذ المرأة عمل الرجل ويأخذ الرجل عمل المرأة، فأصبح بعض الرجال يجلسون في البيت والمرأة هي التي تخرج وتقضي حاجات البيت والأولاد بل حتى ما يتعلق بإصلاح السيارات!

    نَعَمْ مَا يُرْجَى مِن هذه الأمة وَلَهَا إِلَّا الذُّلُّ وَالْهَوَانُ، وَكَمَا قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: إِنَّا كُنَّا أَذَلَّ قَوْمٍ، فَأَعَزَّنَا اللهُ بِالْإِسْلَامِ، فَمَهْمَا نَطْلُبُ الْعِزَّ بِغَيْرِ مَا أَعَزَّنَا اللهُ، أَذَلَّنَا اللهُ.

     وَاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، لَنْ تَقُومَ لِلْمُسْلِمِينَ قَائِمَةٌ، وَلَنْ تَكُونَ لَهُمْ شَوْكَةٌ وَهَيْبَةٌ، إِلَّا بِدِينِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَتَوْحِيدِهِ وَطَاعَتِهِ، كَمَا قَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور:55].

يَعْبُدُونَنِي: أي يخضعون لي بالطاعة ويتذللون لأمري ونهيي. [الطبري].

بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ بِالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فاستغفروه إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

الخطبة الثانية:

كيف ينالُ المرءُ الموازينَ الصحيحة وينجو من اختلالها لديه؟، ينالها بتدبِّر كتاب الله عز وجل، والاهتداءِ بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: ﴿أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُم﴾ [محمد:14].

وقال صلى الله عليه وسلم: «إني قد تركتُ فيكم ما إن اعتصمتُم به فلن تَضِلُّوا أبدًا، كتابَ اللهِ، وسُنَّةَ نبيِّه» [صحيح الترغيب والترهيب].

    ولا يكون ذلك الا بالعلم النافع يُتلقاه المرءُ من العلماء العاملين، قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء:83].

     كما يَنالُ المرءُ صوابَ الموازين بتحرّي الحقائق، والتّثبتِ منها وعدمِ الانخداع بما يُثار، لاسيما في ظل وسائل التواصل الحديثة التي يكثر فيها الغث والدعاوى الكاذبة، فإنّما يُستدل على الحقِّ بمعرفة الحقيقة أولا، تلكم هي عباد الله وسائل تحقيق العدل في وزن الأمور ومعرفة الحقيقة والحق، وصدق الله تعالى إذ يقول: ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الملك:22].

جعلني الله وإياكم ممن يمشي على الصراط المستقيم.