خطبة القوي سبحانه

خطبة القوي سبحانه

قال جل وعلا: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ [الشورى:19].

     القوي الذي لايعجزه شيء، ولايغلبه غالب، ولايرد قضاءه راد، يَنفذ أمره ويمضي قضاؤه في خلقه، يُعز من يشاء، ويُذل من يشاء، وينصر من يشاء، ويخذل من يشاء، فالقوة لله جميعًا، لامنصور إلا من نصره الله، ولاعزيز إلا من أعزه الله، وكذلك المخذول من خذله الله، والذليل من أذله الله، ﴿إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران:160].

وهو القوي له القُوى جمعًا تعا … لى الله ذو الأكوان والسلطان

     ولن يُدرك الكفار والظلمة هذه الحقيقة إلا في يوم القيامة، ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ [القرة:165].

     والعباد في بعض الأحيان يغترون بقوتهم، ويغفلون عن قوة الخالق المحيطة بهم فيتمادون في غيهم، ولايفيقون إلا عندما تُحيط بهم قوة الله فتُدمرهم وتُهلكهم، كما وقع لقوم عاد ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت:15].

     وقد حدثنا ربنا عما فعله بهؤلاء المغرورين بقوتهم، المتمردين على ربهم ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَىٰ وَهُمْ لَا يُنصَرُونَ﴾ [فصلت:16].

     وحال المستكبرين على مر التاريخ المغترين بقوتهم حال قوم عاد، تأخذهم قوة الله، وتحيط بهم وتدمرهم، وتدمر معاقلهم وحصونهم، ويُصبحون أثرًا بعد عين، وقد قال الله مخاطبًا المشركين الذين واجههم الرسول صلى الله عليه وسلم آمرًا إياهم بالسير في الأرض، والنظرِ في الغابرين، والاعتبار بمصارعهم ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ﴾ [غافر:21].

     وعندما جاءت جُموع الأحزاب فأحاطت بالمدينة قاصدين القضاء على رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، أرسل الله عليهم ريحًا وجنودًا لم يروها ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب:25].

أَينَ الملوكُ ذَوي التيجانِ مِن يَمَنٍ *** وَأَينَ مِنهُم أَكالِيلٌ وَتيجَانُ

وَأَينَ ما شادَهُ شَدّادُ في إِرَمٍ *** وَأينَ ما ساسَه في الفُرسِ ساسانُ

وَأَينَ ما حازَهُ قارونُ من ذَهَبٍ *** وَأَينَ عادٌ وَشدّادٌ وَقَحطانُ

أَتى عَلى الكُلِّ أَمرٌ لا مَرَدّ لَهُ *** حَتّى قَضوا فَكَأنّ القَوم ما كانُوا

     عباد الله ومن شواهد قوته سبحانه وتعالى ما نراه في أيامنا هذه من موت الكافرين والمحاربين لله ورسوله وعباده المؤمنين، ومن سمع عن الزلازل والأعاصير والرياح القوية وغيرها مما يُدمر البلاد ويُهلك الناس يرى شيئًا يسيرًا من قوته جل وعلا، ولكن ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر:67]، ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ * فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ * لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَىٰ مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ * فَمَا زَالَت تِّلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّىٰ جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾ [الأنبياء:11-15].

     أين المهرب من الله القوي المتين إذا نزل عذابه بساحة الظالمين؟ ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:97-99].

     ولامفر منه إلا إليه، ولاملجأ للعبد ولامنجا منه إلا إليه، ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾ [الأنفال:59]، وقال تعالى عن الجن: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن نُّعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ [الجن:12]، وقال تعالى: ﴿وَمَن لَّا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [الأحقاف:32].

     فلا يقع في هذا الكون شيء إلا بأمره ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف:54].

     وفي الحديث الذي هو بشارة لأمة الإسلام قال عليه الصلاة والسلام: «قال اللهُ تعالى: مَنْ عَلِمَ أَنِّي ذو قدرةٍ على مغفرةِ الذنوبِ غفرتُ لَهُ ولا أُبالِي، مالم يُشرِكْ بي شيئًا» [رواه الطبراني في الكبير واللفظ له، والحاكم، وصححه الألباني في صحيح الجامع].

     أي: من عَلِمَ عِلمًا يَقينيًّا مِن قَلبِه، وأقَرَّ واعترَفَ أنَّ اللهَ وَحدَه هو مَن بيَدِه القُدرةُ على غُفرانِ الذُّنوبِ؛ غفر له سبحانه وتعالى ولا يُبالي بما ارتكَبَه العبدُ. فاللهم اغفر لنا أجمعين يا رب العالمين.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه يغفر لكم.

الخطبة الثانية:

     إن إيمان العبد باسم الله القوي يُثمر فيه انكسارًا بين يدي الله عز وجل، وخضوعًا لجانبه وخوفًا منه سبحانه، ولجوءًا إليه وحده، وحُسن توكل عليه، واستسلامًا لعظمته، وتفويض الأمور كلها إليه، والتبرؤَ من الحول والقوة إلا به، ولهذا كانت كلمة لاحول ولاقوة إلا بالله، جليلة الشأن، كبيرة القدر، عظيمة الأثر، قال صلى الله عليه وسلم لأبي موسى الأشعري رضي الله عنه: «يا عَبْدَ اللَّهِ بنَ قَيْسٍ، قُلْ: لا حَوْلَ ولَا قُوَّةَ إلَّا باللَّهِ، فإنَّهَا كَنْزٌ مِن كُنُوزِ الجَنَّةِ» [رواه البخاري].

     وهي كلمة إسلام واستسلام، وتفويض والتجاء، وتبرؤٍ من الحول والقوة إلا بالله، وأن العبد لا يملك من أمره شيئًا، وليس له حيلة في دفع شر، ولا قوة في جلب خير إلا بإذن الله، ولا تحول للعبد من معصية إلى طاعة، ولا من مرض إلى صحة، ولا من وهن إلى قوة، ولا من نقص إلى زيادة إلا بالله، ولا قوة للعبد عن القيام بأي شأن من شؤونه إلا بالله.

     ومن قال هذه الكلمة مُحققًا ما دلت عليه من التوكل والتفويض وحُسن الالتجاء هُدي ووقي وكُفي، وكان من أقوى الناس قلبًا وأحسنهم حالا ومآلا.

     وقد أوصى صلى الله عليه وسلم رجلا فقال له: «يا فُلانُ إذا أوَيْتَ إلى فِراشِكَ فَقُلْ: اللَّهُمَّ أسْلَمْتُ نَفْسِي إلَيْكَ، ووَجَّهْتُ وجْهِي إلَيْكَ، وفَوَّضْتُ أمْرِي إلَيْكَ، وأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إلَيْكَ، رَغْبَةً ورَهْبَةً إلَيْكَ، لا مَلْجَأَ ولا مَنْجا مِنْكَ إلَّا إلَيْكَ، آمَنْتُ بكِتابِكَ الذي أنْزَلْتَ، وبِنَبِيِّكَ الذي أرْسَلْتَ، فإنَّكَ إنْ مُتَّ في لَيْلَتِكَ مُتَّ علَى الفِطْرَةِ، وإنْ أصْبَحْتَ أصَبْتَ أجْرًا» [رواه البخاري].

[المرجع: أسماء الله الحسنى لعمر الأشقر ص (208)، فقه الأسماء الحسنى لعبدالرزاق البدر ص (183) بتصرف].