﴿وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾
عن عبدالله بن أبي أوفى رضي الله عنه: أنَّ ناسًا منَ العربِ قالوا: يا رسولَ اللهِ أسلَمْنَا ولَمْ نقاتِلْكَ وقاتلَتْكَ بنو فلانٍ، فأنزلَ اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ الآيَةَ. [رواه ابن المنذر والطبراني وابن مردويه بسند حسن].
﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات:17].
فالله عز وجل أنكر على الأعراب الذين أول ما دخلوا في الإسلام ادعوا لأنفسهم مقام الإيمان، ولم يتمكن الإيمان في قلوبهم بعد، ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:14].
والإيمان مرتبة أعلى من الإسلام، وهذا دليل على أن الأعراب المذكورين في الآية ليسوا بمنافقين وإنما هم مُسلمون لم يستحكم الإيمان في قلوبهم، فادعوا لأنفسهم مقامًا أعلى مما وصلوا إليه، فأُدبوا في ذلك. [عمدة التفسير لأحمد شاكر بتصرف].
قال جل وعلا: ﴿وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر:6].
قال الشيخ السعدي رحمه الله: أي: لا تمنن على الناس بما أسديت إليهم من النعم الدينية والدنيوية، فتتكثر بتلك المنة، وترى لك الفضل عليهم بإحسانك المنة، بل أحسن إلى الناس مهما أمكنك، وانس عندهم إحسانك، ولا تطلب أجره إلا من الله تعالى واجعل من أحسنت إليه وغيره على حد سواء. [تيسير الكريم الرحمن].
قال ابن عباس رضي الله عنهما: لا تُعط العطية تلتمس أكثر منها. [تفسير القرآن العظيم].
والمنة يا عباد الله إنما هي لله تعالى على عباده، يمن عليهم بالخلق والرزق، والنعم الظاهرة والباطنة، فمنته عليهم بهدايتهم إلى الإسلام، ومنته عليهم بالإيمان، أعظم من كل شيء. [تيسير الكريم الرحمن بتصرف].
والله تبارك وتعالى صاحب الفضل والإنعام، فقد خلقنا وأوجدنا، وجعل لنا السمع والأبصار والأفئدة، وخلقنا في أحسن تقويم، وخلق لنا الطيبات، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة، ومن أعظم مننه علينا أن أرسل فينا رسولا من أنفسناعأ يتلوا علينا آياته ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [آل عمران:164].
وإذا كان الله قد امتدح نفسه سبحانه بمنته على عباده، فإنه ذم الذين يمنون على الله أو على عباد الله بما أنفقوه من أموالهم، وقدموه من أعمالهم، قال تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾، وحذرنا ربنا من أن مَنَّنَا بما نُقدمه من الصدقات يُبطل ثوابها وأجرها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ﴾ [البقرة:264]. [أسماء الله الحسنى للأشقر (الله المنان) بتصرف].
أفسدت بالمن ما أسديت من حُسن ِ*** ليس الكريم إذا أسدى بمنّانِ
ولَمَّا أفَاءَ اللَّهُ علَى رَسولِهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَومَ حُنَيْنٍ، قَسَمَ في النَّاسِ في المؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، ولَمْ يُعْطِ الأنْصَارَ شيئًا، فَكَأنَّهُمْ وجَدُوا إذْ لَمْ يُصِبْهُمْ ما أصَابَ النَّاسَ، فَخَطَبَهُمْ فَقالَ – عليه الصلاة والسلام -: «يا مَعْشَرَ الأنْصَارِ، ألَمْ أجِدْكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللَّهُ بي؟ وكُنْتُمْ مُتَفَرِّقِينَ فألَّفَكُمُ اللَّهُ بي؟ وعَالَةً فأغْنَاكُمُ اللَّهُ بي؟» كُلَّما قالَ شيئًا قالوا: اللَّهُ ورَسولُهُ أمَنُّ» [رواه البخاري].
والمنان اسم من أسماء الله تعالى فعن أنس بن مالك رضي الله عنه: أنَّهُ كانَ معَ رسولِ اللَّهِ صلّى اللَّه عليه وسلم جالسًا ورجلٌ يُصلِّي ثمَّ دعا: اللَّهمَّ إنِّي أسألُكَ بأنَّ لَكَ الحمدُ لا إلَهَ إلَّا أنتَ المنَّانُ بديعُ السَّمواتِ والأرضِ يا ذا الجلالِ والإِكرامِ يا حيُّ يا قيُّومُ. فقالَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ: «لقد دعا اللَّهَ باسمِهِ العظيمِ الَّذي إذا دعيَ بِهِ أجابَ وإذا سُئلَ بِهِ أعطى» [رواه أبوداود واللفظ له والترمذي].
والمن من الكبائر، قال عليه الصلاة والسلام: «ثَلاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَومَ القِيامَةِ: المَنَّانُ الذي لا يُعْطِي شيئًا إلَّا مَنَّهُ، والْمُنْفِقُ سِلْعَتَهُ بالحَلِفِ الفاجِرِ، والْمُسْبِلُ إزارَهُ» [رواه مسلم].
وقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «ثلاثةٌ لا ينظرُ اللَّهُ عزَّ وجلَّ إليهم يومَ القيامةِ؛ العاقُّ لوالِدَيهِ، والمرأةُ المترجِّلةُ، والدَّيُّوثُ، وثلاثةٌ لا يدخُلونَ الجنَّةَ: العاقُّ لوالِدَيهِ، والمدمِنُ على الخمرِ، والمنَّانُ بما أعطى» [رواه النسائي وصححه الألباني].
والمن غالبًا يقع من البخيل والمعجب بنفسه، فالبخيل تعظم في نفسه العطية، وإن كانت حقيرة في نفسها، والمعجب بنفسه يحمله العُجب على النظر لنفسه، بعين العظمة، وأنه مُنعم بماله على المعطى!. [القرطبي].
قال الإمام الشافعي رحمن الله:
لا تَحمِلَّنَّ لِمَن يَمَنُّ *** مِنَ الأَنامِ عَلَيكَ مِنَّة
وَاِختَر لِنَفسِكَ حَظَّها *** وَاِصبِر فَإِنَّ الصَبرَ جُنَّة
مِنَنُ الرِجالِ عَلى القُلو *** بِ أَشَدُّ مِن وَقعِ الأَسِنَّة
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
المن يستجلب غضب الله سبحانه وتعالى، ويستحق المان الطرد من رحمته جل وعلا، وهو يُوغر الصدور، ويُحبط الأعمال، ويُنقص الأجر، وقد يذهب به بالكلية، ويُحرم صاحبُ هذه الآفة من نعمة نظر الله إليه، وكلامه معه يوم القيامة، والمن صفة يتشبه بها صاحبها بالمنافقين، وهي آفة من آفات اللسان، ومظهر من مظاهر سوء الخلق، ولذلك ورد الوعيد الشديد لمن حصل منه ذلك.
كم حوّل المنُّ الجميلَ إساءة *** والحمدَ ذمًّا والمحبةَ كُرها
وإذا عُرف الداء وأسبابُه وخطورتُه ومضاره، سَهُلَ العلاج بإذن الله تعالى، وكما قالوا: لاصغيرة مع الإصرار ولاكبيرة مع الاستغفار، ولاتنظر إلى صغر المعصية وانظر إلى عظم من عصيت، وشأن من طلب السلامة والنجاة أن يُعظم حرمات الله ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ﴾ [الحج:30].