خطبة وأقيموا الصلاة
يا عبدالله أترجو أن تكونَ رفيقَ النبي صلى الله عليه وسلم في الجنةِ؟
لقد كانَ ربيعةُ بنُ كعبٍ الأسلميُّ رضي الله عنه شابًّا مؤمنًا منْ شبابِ الصحابةِ، شرّفَهُ اللهُ بخدمةِ النبي صلى الله عليه وسلم، وفي ذاتِ يومٍ قالَ لهُ النبي صلى الله عليه وسلم: «سَلْنِي». فقالَ ربيعةُ رضي اللهُ عنهُ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ. قَالَ: «أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ؟» قالَ ربيعةُ: هُوَ ذَاكَ. فقَالَ النبي صلى الله عليه وسلم: «فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ». [رواه مسلم (٤٨٩)].
إنها الصلاةُ يا عبادَ اللهِ، الصلاةُ التي هي عمودُ هذا الدينِ العظيمِ، وخيرُ الأعمال، وأحبُّها إلى اللهِ، يقولُ النبي صلى الله عليه وسلم: «رَأْسُ الأَمْرِ الإسْلَامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الجِهَادُ». [رواه الترمذي (٢٦١٦)]، ويقولُ صلى الله عليه وسلم: «اعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمْ الصَّلَاةُ». [رواه ابن ماجه (٢٧٧)].
إنَّ إقامةَ الصلاةِ إعلانٌ بالطاعةِ والاستجابةِ لأمرِ اللهِ، الذي فرضَها على عبادِهِ يومَ المعراجِ، وجعلَها خمسَ صلواتٍ في العملِ وخمسينَ في الأجرِ، إنَّ الصلاةَ نورٌ وبرهانٌ ونجاةٌ في الدنيا والآخرةِ، قالَ النبي صلى الله عليه وسلم: «وَالصَّلَاةُ نُورٌ». [رواه مسلم (٢٢٣)]، وقالَ عليه الصلاة والسلام: «من حافَظَ عليها كانت لَه نورًا وبُرهانًا ونجاةً إلى يومِ القيامةِ، ومن لَم يُحافِظ عليها لم يَكن لَه نورٌ ولا برهانٌ ولا نجاةٌ وَكانَ يومَ القيامةِ معَ فرعونَ وَهامانَ وأبَيِّ بنِ خلفٍ». [رواه أحمد في مسنده (٦٥٧٦)].
الصلاةُ قُرَّةُ عينِ المؤمنينَ، ومَفْزَعُهم عندَ النوازلِ، يُناجونَ فيها ربَّ العالمينَ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ». [رواه النسائي (٣٩٤٠)]، ويقول صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ المُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي الصَّلاَةِ، فَإِنَّمَا يُنَاجِي رَبَّهُ». [رواه البخاري (٤١٣)]، ويقول صلى الله عليه وسلم: «يا بلالُ أقمِ الصلاةَ، أرِحْنا بها» [رواه أبوداود (4985)]، كم نرى من يأتي إلى الصلاة عند الإقامة فإذا سلّم الإمام والتفت رآهم عند الباب خارجين وكأنهم كانوا مسجونين!
من تلذذ بصلاته لم يستعجل في ترك موضعه منها لأنه يُحس بهذه الراحة التي غمرته، وانشراح الصدر الذي أصابه فيتمنى بقاءه فيها وعدم انتهائها.
الصلاةُ يا عباد الله طهارةٌ للعبدِ من خَبَثِ المعاصي، تنهاهُ عن الفواحشِ والمنكرات، وتكفِّرُ الذنوبَ والسّيئات، وتُطفئُ نارَ الخطيئات: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥]، وقال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤].
الصلواتِ الخمسَ نهرٌ طَهورٌ جارٍ، يمحُو اللهُ بهِ الخطايا، يقولُ النبي صلى الله عليه وسلم: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ؟» قَالُوا: لَا يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ، قَالَ: «فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، يَمْحُو اللهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا». [رواه البخاري (٥٢٨)، ومسلم (٦٦٧)].
عباد الله: إنَّ الله تعالى أمرَ بإقامةِ الصلاة، فهيَ كالبيتِ الذي يُبنى بناءً متماسكًا، حتى ينالَ العبدُ فضلَه، ويجني ثمرتَه، فكيفَ يُقيمُ العبدُ الصلاةَ كما أمرهُ الله؟
أولُ ما تتحقَّقُ به إقامةُ الصلاة، أن تحافِظَ عليها كما أمرَ الله، فإنَّ اللهَ وصفَ المؤمنينَ فقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المؤمنون:٩]، وتَوعَّد اللهُ الذين يُضيعون الصلاةَ، فقال: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم:٥٩]، بلْ إنَّ ترْكَ صلاةٍ واحدةٍ من أعظمِ المصائب، قال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ». [رواه أحمد في مسنده (٢٣٦٤٣)].
كيفَ لا؟! والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لَا تَتْرُكَنَّ صَلَاةً مَكْتُوبَةً مُتَعَمِّدًا فَإِنَّ مَنْ تَرَكَ صَلَاةً مَكْتُوبَةً مُتَعَمِّدًا فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ اللَّهِ». [رواه في أحمد مسنده (٢٢٠٧٥)].
ومن إقامةِ الصلاةِ أنْ تؤدِّيَها في وقتها، فإنَّ الصلاةَ كانتْ على المؤمنينَ كتابًا موقوتًا، وقدْ توعَّدَ اللهُ الذينَ يؤخِّرونَ الصلاةَ عن مواقيتها من غير سبب شرعي بالويلِ والهلاك، فقالَ سبحانه: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون:٤-٥]، وقد سألَ مصعبُ بنُ سعدِ بنِ أبي وقّاص أباهُ سعدًا رضيَ اللهُ عنهما عن هذه الآياتِ، فقال: يَا أَبَتَاهْ! أَرَأَيْتَ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٥]، أَيُّنَا لا يَسْهُو؟ أَيُّنَا لا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ؟!، قَالَ: «لَيْسَ ذَلِكَ، إِنَّمَا هُوَ إِضَاعَةُ الْوَقْتِ، يَلْهُو حَتَّى يَضِيعَ الْوَقْتُ». [رواه أبو يعلى في مسنده (٧٠٤)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٥٧٦)].
ومن إقامةِ الصلاةِ أن تُحَقِّقَ الإخلاصَ والخشوعَ فيها، ولا تلتفِتَ فيها عن اللهِ سبحانه، فإنَّ حضورَ القلبِ روحُ الصلاة، وبحسَبِ خشوعِكَ في صلاتكِ يكونُ أجرُكَ وثوابُك، فإنَّ الله أثنى على المؤمنينَ الخاشعينَ فقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون:١-٢]، ويقول النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ، فَإِذَا صَلَّيْتُمْ فَلَا تَلْتَفِتُوا فَإِنَّ اللَّهَ يَنْصِبُ وَجْهَهُ لِوَجْهِ عَبْدِهِ فِي صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ». [رواه الترمذي (٢٨٦٣)]، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيُصَلِّي الصَّلَاةَ مَا يُكْتَبُ لَهُ مِنْهَا إِلَّا عُشْرُهَا، تُسْعُهَا، ثُمُنُهَا، سُبُعُهَا، سُدُسُهَا، خُمُسُهَا، رُبُعُهَا، ثُلُثُهَا، نِصْفُهَا». [رواه أحمد في مسنده (١٨٨٩٤)].
ومن إقامةِ الصلاةِ أن تُحسِن طُهورَها، وتُتِمَّ قيامَها وركوعَها وسجودَها، فإنّ الصلاةَ عبادةٌ لها شروطٌ وأركانٌ وواجباتٌ وسُنَن، ويجبُ على المسلمِ أن يُصليَ كما كانَ النبي صلى الله عليه وسلم يصلي، «صَلُّوا كما رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» [رواه البخاري (6008)].
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ افْتَرَضَهُنَّ اللَّهُ تَعَالَى، مَنْ أَحْسَنَ وُضُوءَهُنَّ وَصَلَّاهُنَّ لِوَقْتِهِنَّ وَأَتَمَّ رُكُوعَهُنَّ وَخُشُوعَهُنَّ كَانَ لَهُ عَلَى اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ، وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَيْسَ لَهُ عَلَى اللَّهِ عَهْدٌ، إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ». [رواه أبو داود (٤٢٥)]. اللهم اغفر لنا أجمعين.
أقول قولي هذا وأستغفرُ اللهَ لي ولكم فاستغفروه، إنّه هو الغفورُ الرحيم.
الخطبة الثانية:
يقولُ النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ العَبْدُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلَاتُهُ، فَإِنْ صَلُحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ، فَإِنْ انْتَقَصَ مِنْ فَرِيضَتِهِ شَيْءٌ، قَالَ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ: انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ فَيُكَمَّلَ بِهَا مَا انْتَقَصَ مِنَ الفَرِيضَةِ، ثُمَّ يَكُونُ سَائِرُ عَمَلِهِ عَلَى ذَلِكَ». [رواه الترمذي (٤١٣)].
إنَّ الصلاةَ ميزانُ صلاحِ الأعمال، ومقياسُ محبّةِ العبدِ وتعظيمِهِ لله سبحانه، فمَنْ حفِظها وحافظَ عليها كما أمرَهُ اللهُ فقدْ حَفِظَ دينه، ومن ضيَّعها كانَ لما سِواها من دينهِ أضيَع.
اللهم أعنَّا عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ واجعلنا مُقيمي الصلاة ومن ذرياتنا، يارب العالمين. [خطبة (وأقيموا الصلاة) من موقع حصين بتصرف].