خطبة سنة التدافع

سنة التدافع والاستقامة

     جاء المشركون إلى النبي صلى الله عليه وسلم وعرضوا عليه أن يعبدوا الله سنة، على أن يعبد نبيّ الله صلى الله عليه وسلم آلهتهم سنة، فأنـزل الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [سورة الكافرون]، هذه سنة إلهية يا عباد الله، وهي سنة التدافع بين الحق والباطل، وهي مستمرة إلى قيام الساعة، والأيام دول بين الناس، فيوم ينتصر فيه أهل الحق ويوم ينتصر فيه أهل الباطل، ويبقى التدافع بينهما.

فيومٌ لنا ويومٌ علينا          ويومٌ نُساء ويومٌ نُسر

     قال تعالى: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا * لِّيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [الأحزاب: 23-24].

     فمن المؤمنين من مات وهو متم لعهده مع الله جل وعلا، صادق في أدائه حتى لقي الله عز وجل عليه، ومنهم من ينتظر أن يلقى الله تعالى وهو على العهد باق لم يبدل ولم يغير شيئًا، وأما المنافقون فقد نقضوا العهد وخالفوا أوامر الله تعالى فاستحقوا عقاب الله وعذابه، ولكنهم تحت مشيئة الله في الدنيا، إن شاء استمر بهم على ما فعلوه حتى يلقوه به فيعذبهم عليه وإن شاء تاب عليهم، وأرشدهم إلى ترك النفاق والعودة إلى الإيمان، وعمل الصالح بعد الفسوق والعصيان، ولما كانت رحمته ورأفته بخلقه هي الغالبة لغضبه قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾. [عمدة التفسير لأحمد شاكر بتصرف].

     والمؤمن يستمر في عهده مع الله جل وعلا، ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر99]، ولما سأل أصحاب اليمين عن سبب دخول المجرمين النار، كان الجواب: ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّىٰ أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ [المدثر: 43-47].

     ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ قال الإمام ابن كثير رحمه الله: ويُستدل من هذه الآية الكريمة على أن العبادة كالصلاة ونحوها واجبة على الإنسان ما دام عقله ثابتًا فيُصلي بحسب حاله، كما ثبت في صحيح البخاري، عن عمران بن حصين – رضي الله عنهما – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: «صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب». [تفسير القرآن العظيم].

تنبه هداك الله من نوم غفلـــــــــــــــــــة      ولهو ولا تعمل على الشك والوهم

وسر في طريق اللَه بالجد واستقم      ولازم وخُذ بالعزم يا صاحب العزم

ومِنْ بَعـــــــــــدِهِ إما مصيرٌ إلى لظى     أو الجنةُ العُليــــــــــــــــــــــا ووُجْدٌ بلا عَدْم

حياةٌ بلا موتٍ نعيمٌ بلا شَقــــــــــــا      ومُلكٌ بلا عزلٍ شبـــــــــــــــــابٌ بلا هَرْم

[نعم عالم الأرواح لابن علوي الحداد].

     اللهم ارزقنا الفردوس الأعلى أجمعين يا رب العالمين، عباد الله عن سفيان الثقفي رضي الله عنه قال: قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، قُلْ لي في الإسْلامِ قَوْلًا لا أسْأَلُ عنْه أحَدًا بَعْدَكَ، قالَ: «قُلْ: آمَنْتُ باللَّهِ، ثم اسْتَقِمْ» [رواه مسلم].

أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه…

الخطبة الثانية:

     إن الحكمة من سنة التدافع يا عباد الله حفظُ الدين من الانهيار، وحفظُ الدنيا من الفساد، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة:251]، فلم يجعل الله عز وجل أهل الباطل ينفردون بالناس بل قيّض لهم من أهل الحق من يُقاومهم ويُواجههم ويدفعهم ويغلبهم.

﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:18]، لذلك الذين يُريدون السلام مع أهل الكفر هم جهلة بحقيقتهم، فعندما نُعطيهم السلام ويتمكنوا سيستعبدوننا ويُذلونا ولن يكون لنا راحة ولا هدوء!.

     وإن الاستقامة على دين الله عز وجل تؤدي إلى طمأنينة القلب بدوام الصلة بالله عز وجل، وتعصم صاحبها – بإذن الله عز وجل – من الوقوع في الكفر والمعاصي والزلل وسفاسف الأمور والتكاسل عن الطاعات،  ولقد رتب الله عز وجل على الاستقامة أجرًا عظيمًا فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ﴾ [فصلت: 30-32]. اللهم ارزقنا هذا الجزاء يا رب العالمين.

اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه يا رب العالمين..