تفاءل
دين الإسلام دين التفاؤل، وكان صلى الله عليه وسلم لايتشاءم ويُعجبه الفأل، وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا عدوى ولا طيرة ويعجبني الفأل» قالوا: وما الفأل؟ قال: «كلمة طيبة» [متفق عليه].
الكلمة الطيبة تُدخل السرور على النفس، وتشرح الصدر، … فالتفاؤل خير لأنه يشرح الصدر ويفرح القلب وينشط اللسان ويعزم على الخير أما التشاؤم فإنه بخلاف ذلك. [شرح رياض الصالحين لابن عثيمين رحمه الله].
قال عليه الصلاة والسلام: «لاعدوى ولاطيرة ولاهامة ولاصفر» [متفق عليه]، فلما سمع الصحابة قوله صلى الله عليه وسلم (لاعدوى) ظن بعضهم كما يظن الآن بعض الناس أن النبي صلى الله عليه وسلم ينفي مايسمى بالعدوى فلاتوجد أصلا عدوى من مرض، وهذا فهم مغلوط لقوله صلى الله عليه وسلم (لاعدوى) ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا عدوى ولا هامة ولا صفر» فقال أعرابي: يا رسول الله فما بال الإبل تكون في الرمل كأنها الظباء فيخالطها البعير الأجرب فيجربها؟ – الإبل تكون سليمة فيدخل عليها بعير أجرب فتصاب بالجرب فكيف تقول (لاعدوى) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فمن أعدى الأول؟». أي من سبب الجرب للبعير الأول أصلا أليس هو الله تعالى؟ إذا المسبب هو الله والمرض سبب فلايجوز أن يعتقد المسلم أن هناك مسببًا للأشياء إلا الله تعالى.
وهذا الأمر يا عباد الله قد عايشناه وشهدناه في زمن كورونا فكنا نجلس في المجلس الواحد ويكون في المجلس من هو مصاب بمرض الكورونا ولانعلم عنه فلما خرجنا تبين أن منا من أصيب بالمرض بسبب مخالطته للمريض ومنا من لم يصب لأن الله عز وجل المسبب لم يُرد لفلان أن يصاب وأراد أن يصاب فلان!
لا نلت خيرا ما بقيــــــــ ت ولا عداني الدهرَ شر
إن كنت أعلم أن غيـ ـر الله ينفع أو يضــــــــــــــــــر
وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه صلى بهم الصبح في أثر سماء (أي بعد نزول المطر) ثم قال: «أتدرون ما قال ربكم الليلة؟ قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر فأما المؤمن فقال: مُطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما الكافر فقال: مُطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب».
والطيرة وهي التشاؤم بمرئي أو مسموع أو زمان أو مكان وهي من أعمال أهل الشرك والكفر فقد قال عليه الصلاة والسلام: «الطيرة شرك» [رواه أبوداود والترمذي]، وقد حكاها الله تعالى في كتابه عن قوم فرعون وقوم صالح وأصحاب القرية التي جاءها المرسلون.
فالتشاؤم حقيقته: اعتقاد أن المتشاءم به له تأثير، كما كانت العرب تعتقد في الهامة وهي طائر البومة إذا وقعت على بيت فإن هذا البيت سيموت منه أحدهم!
وللطيرة كفارة: عن عروة بن عامر رضي الله عنه قال: ذُكرت الطيرة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أحسنها الفأل، ولا ترد مسلمًا فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت ولا يدفع السيئات إلا أنت ولا حول ولا قوة إلا بك» [رواه أبو داود بإسناد صحيح].
وفي حديث آخر يقول صلى الله عليه وسلم: «مَن ردته الطِّيَرَة عن حاجته فقد أشرك»، قالوا: فما كفارة ذلك؟ قال: «أن تقول: اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طَيْرَ إِلَّا طَيْرُكَ ولا إله غيرك» [رواه أحمد].
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا عدوى ولا طيرة وإن كان الشؤم في شيء ففي الدار والمرأة والفرس» [متفق عليه].
إذا أصابك شيء من تشاؤم فأعرض عنه، أعرض عن هذا الحزن، وقل: اللهم لا خير إلا خيرك ولا طير إلا طيرك ولا إله غيرك، يعني أن الأمر كله بيدك ولا إله غيرك، وأما قول الرسول صلى الله عليه وسلم إن كان الشؤم في شيء فإنه في ثلاث في الدار والمرأة والفرس فالمعنى: أن هذه الثلاثة هي أكثر ما يكون مرافقة للإنسان المرأة زوجه والدار بيته والفرس مركوبه وهذه الأشياء الثلاثة أحيانًا يكون فيها شؤم، أحيانًا تدخل المرأة على الإنسان يتزوجها ولا يجد إلا النكد والتعب منها ومشاكلها، أيضًا ينزل الدار فيكون فيها شؤم يضيق صدره ولا يتسع ويمل منها، أيضًا الفرس والفرس الآن ليس مركوبنا ولكن مركوبنا السيارات بعض السيارات يكون فيها شؤم تكثر حوادثها وخرابها ويسأم الإنسان منها، فإذا أصيب الإنسان بمثل هذا فليستعذ بالله من الشيطان الرجيم ويقل: اللهم لا خير إلا خيرك ولا طير إلا طيرك ولا إله غيرك فيزيل الله ما في نفسه من الشؤم. [شرح رياض الصالحين لابن عثيمين رحمه الله بتصرف].
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه يغفر لكم
الخطبة الثانية:
إن الناظر لحال الأمة التي يصدق عليها قول الشاعر:
أنى اتجهت إلى الإسلام في بلد تجده كالطير مقصوصًا جناحاه
قد يتشاءم بسبب ضعف الأمة وخورها وذلتها أمام أعدائها، ولكن المسلم الحقيقي لايرضى بالذلة والهوان وتجبر أهل الكفر والطغيان، ويبقى متفائلا بأن النصر مع الصبر، متيقنًا من قوله تعالى: ﴿إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد﴾ [غافر:51]، ومن قوله صلى الله عليه وسلم: «لاتقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم يا عبدالله هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود» [رواه مسلم]، قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: كل محنة من الله – عز وجل – إذا صبرت عليها فأبشر بعقباها منحة. [الشرح الممتع (15/226)]، ولنعلم حقيقة العلم يا عباد لله بأن ضعفنا وذلتنا ما حصلت إلا لابتعادنا عن ديننا والتمسك به، ﴿الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور﴾ [الحج:41].
دع المقاديرَ تجري في أعَنّتها ولا تبيتنّ إلا خاليَ البالِ
ما بين غَمضةِ عَين وانتباهتها يُغيّر الله من حالٍ إلى حالِ
واحذروا الذنوب فإنها مشؤمة، عواقبها ذميمة، وعقوباتها أليمة، والقلوب المحبة لها سقيمة، السلامة منها غنيمة، والعافية منها ليس لها قيمة، والبلية بها لا سيما بعد نزول الشيب داهية عظيمة.
طاعة الله خير ما اكتسب العبـ ـد فكن طائعا لله لا تعصينه
ما هلاك النفـــوس إلا المعاصي فاجتنب ما نهاك لا تقربنــــــــه
إن شيئا هلاك نفسك فيــــــــــــــــه ينبغي أن تصون نفسك عنه [اللطائف (155)].