تعوذوا بالله من أربع
عباد الله كان النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَحرِصُ على تَعليمِ أصحابِه وأُمَّتِه الدُّعاءَ والاستِعاذةَ مِن بعضِ الشُّرورِ التي قدْ تُصيبُ المسلِمَ؛ ليَعصِمَهم اللهُ منها، ومن هذه الأدعية ما رواه مسلم رحمه الله عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ، يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ»، وفي رواية: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُعَلِّمُهُمْ هَذَا الدُّعَاءَ كَمَا يُعَلِّمُهُمُ السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ. [رواه مسلم].
فعندما يقول المسلم «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بك»، أي: أَلْجَأُ إليك وأَعتَصِمُ بك وأَستَجِيرُ بك أنْ تُنَجِّيَنِي «مِن عَذابِ القَبرِ» أي عُقوبَتُه وفِتنتُه؛ لأنَّه أوَّلُ مَنزِلٍ مِن منازِلِ الآخِرةِ، ومَن نجَا مِن عذابِ القَبرِ فما بَعدَه مِن مَنازِلِ الآخِرةِ أيسر منه وأسهلُ؛ لأنَّه لو كان عليه ذَنبٌ لكُفِّرَ بعذابِ القَبرِ. ويستعيذ المسلم كذلك «مِن عذابِ النَّارِ»، وهي التي أعَدَّها اللهُ تعالَى عِقابًا لمَن خالَفَ أمْرَهُ وعصاهُ نعوذ بالله منها، ويجب على المؤمن أن يَسْتَعيذ منها دَوْمًا، ومَن سَلِمَ مِنَ النَّارِ وزُحْزِحَ عنها فإنَّه يَدخُلُ الجنَّةَ، وذلك هو الفوزُ العظيمُ، قال تعالى: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:185]، وكذلك يستعيذ المسلم «مِن فِتْنةِ المَحْيَا والمَمَاتِ» والفِتْنةُ: هي الامتِحانُ والاختِبارُ، وما مِن عَبدٍ إلَّا وهو مُعرَّضٌ للابتِلاءِ والفِتَن في الدُّنيا والآخرةِ؛ ولذلك فإنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قد علَّم أُمَّتَه الاستِعاذةَ مِن الفِتَنِ، وفِتنةُ المحْيَا يَدخُلُ فيها جميعُ أنواعِ الفِتَنِ الَّتِي يتعرَّضُ لها الإنسانُ في الدُّنيا؛ كالكُفرِ والبِدَعِ والشَّهَواتِ والفُسوقِ، وفِتنةُ المماتِ يدخُل فيها سُوءُ الخاتِمةِ وفِتنةُ القَبْرِ -كسؤالِ الملَكينِ- وغيرُ ذلك والعياذ بالله.
ويختم النبي صلى الله عليه وسلم وصيته بالاستعاذة «مِن فِتْنةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ»، فإنك يا عبدالله عندما تستعيذ بالله من شر فتنة المسيح الدجال فإنك تدع الله عز وجل أن يعصمك من الوقوع في تصديقه أو أَن تقَعَ تحتَ إغوائِه، وهو أعظمُ الفِتَنِ وأخطَرُها في الدُّنيا؛ ولذلك حذَّر الأنبياءُ عليهم الصلاة والسلام جميعهم أُمَمَهم مِن شرِّه وفِتْنتِه؛ وكان النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَستعِيذُ مِن فِتْنتِه في كلِّ صلاةٍ، وبيَّنَ أنَّ فِتْنتَه أعظَمُ الفِتَنِ مُنذُ خَلَقَ اللهُ آدَمَ عليه السَّلامُ إلى قِيامِ السَّاعةِ، فعن عمران بن حصين رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة أمر أكبر من الدجال» [رواه مسلم]. [شرح موقع درر السنية بتصرف وزيادات].
واعلم يا عبدالله أن الذي يُنجي المؤمن من أهوال القبر وفتنته وعذابه خمسة أشياء: الأول: الرباط في سبيل الله عز وجل روى مسلم رحمه الله عن سلمان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامة، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله وأُجري عليه رزقه وأمن من الفتان» فالرباط من أفضل الأعمال التي يبقى ثوابها بعد الموت. والرباط: هو الملازمة في سبيل الله. مأخوذ من ربط الخيل ثم سُمي كل ملازم لثغر من ثغور المسلمين: مرابطًا.
وهاهم إخواننا في غزة مرابطون في سبيل الله عز وجل استُشهد منهم من استَشهد وبقي منهم من بقي.
غزّةَ المجدِ صِبْيةً وشُيوخــًـــــا *** ونساءً حرائرًا ورجـــــــــالا
أنتِ أعدَدْتِ ما استطعتِ فلاقى *** منكِ جيشُ المكابرين الخَبالا
هم أرادوا بغزّةِ المجد سُـــــوءًا *** وأرادوا للصــــامدين الزّوالا
فأريتِيهِمُ الصّمــــــــــــــودَ ثباتًا *** بَهَرَ القــــــومَ أحدثَ الزّلزالا
خيّبَ اللهُ ظنّهم حين لاقَـــــــــوا *** عَزمـــــــــــاتٍ تُحطِّم الأنذالا
غزّةَ المجد قد عرفناكِ جُرحــًــا *** وعرفناكِ هِمةً ونِضـــــــــــالا
ما تزالينَ في لقاء الأعــــــــادي *** صانكِ اللهُ تَضربين المثــــــالا
فاللهم نصرك المؤزر المبين لإخواننا في فلسطين وغزة وفي كل مكان يارب العالمين.
والثاني الذي يُنجي المؤمن من أهوال القبر وفتنته وعذابه: الاستشهاد في سبيل الله عز وجل قال رجل: يا رسول الله، ما بال المؤمنين يُفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟ قال: «كفَى ببارقةِ السُّيوفِ علَى رأسِهِ فتنةً» [رواه النسائي وصححه الألباني].
ومعناه: أنه لو كان في هؤلاء المقتولين نفاق كان إذا التقى الزحفان، وبرقت السيوف فروا لأنه من شأن المنافق: الفرار والروغان عند ذلك، ومن شأن المؤمن: البذل والتسليم لله نفسًا؛ انتصارًا لله ولدينه، ولإعلاء كلمته، فهذا قد أظهر صدق ما في ضميره حيث برز للحرب والقتل، فلماذا يُعاد عليه السؤال في القبر؟
وعن المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «للشهيد عند الله سبع خصال: يُغفر له في أول دفعة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويُحلى حلة الإيمان، ويُزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويُجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويُوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها، ويُشفّع في سبعين إنسانًا من أهل بيته» [رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجه، وصححه الألبان]. اللهم اجعلنا منهم يارب العالمين.
والثالث الذي يُنجي المؤمن من أهوال القبر وفتنته وعذابه: قراءة سورة الملك ففي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قال: «سورة تبارك هي المانعة من عذاب القبر» [رواه الحاكم، وقال: صحيح الإسناد ـ ووافقه الذهبي].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن سورة في القرآن ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غُفر له، وهي: تبارك الذي بيده الملك». [رواه أبو داود والترمذي، وحسنه الألباني]. فاحرص يا عبدالله على قراءتها وحفظها.
والأمر الرابع الذي يُنجي المؤمن من أهوال القبر وفتنته وعذابه: الموت بداء البطن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المَبْطُونُ شَهِيدٌ، والمَطْعُونُ شَهِيدٌ» [رواه البخاري]، المبْطُونُ: هو الَّذي يَموتُ بمرَضٍ أو داءٍ في بطْنِه، والثَّاني: المطعونُ: وهو الَّذي يَموتُ بِالطَّاعونِ.
أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم فاستغفروه…
الخطبة الثانية:
الأمر الخامس الذي يُنجي المؤمن من أهوال القبر وفتنته وعذابه: الموت يوم الجمعة وليلتها عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من مسلم يموت يوم الجمعة، أو ليلة الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر» [رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب، وقال الألباني في أحكام الجنائز: فالحديث بمجموع طرقه حسن أو صحيح].
اللهم أنجنا من أهوال القبر وفتنته وعذابه يارب العالمين، وأحسن خاتمتنا أجمعين، واغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات ومن له حق علينا يارب العالمين.
[الخطبة من شرح الدرر للحديث الأول مع كلام القرطبي في التذكرة]