خطبة المنجي من فتن الدنيا

خطبة المنجي من فتن الدنيا

      إن المسلم يفتن في هذه الدنيا ويختبر قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك:2]، قال ابن القيم رحمه الله تعالى: الفتنة نوعان: فتنة الشبهات، وهي أعظم الفتنتين، وفتنة الشهوات. وقد يجتمعان للعبد، وقد ينفرد بإحداهما. [إغاثة اللهفان (2/165)].

     فالنوع الأول من الفتن يا عباد الله هي فتنة الشبهات: وهذه الفتنة مآلها إلى الكفر والنفاق، وهي فتنة المنافقين، وفتنة أهل البدع على حسب مراتب بدعهم. فجميعهم إنما ابتدعوا من فتنة الشبهات التي اشتبه عليهم فيها الحق بالباطل، والهدى بالضلال…ولا ينجي من هذه الفتنة إلا تجريد اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم وتحكيمه في كل صغيرة وكبيرة في الدين فيتلقى عنه حقائق الإيمان وشرائع الإسلام.

     ولابد أن يكون عند المسلم علم يدفع به الشبهات؛ لأن الكفار يوردون على المسلمين شُبهًا ليبقى الإنسان شاكًا متذبذبًا، يُشككونه في دينه ورسوله وكتابه وأخلاقه وفي كل شيء، ومن المعلوم أن الإنسان إذا شك في الأمور التي يجب فيها اليقين؛ فإنه لم يقم بالواجب، فالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره الإيمان بهذه يجب أن يكون يقينًا؛ فإن شك الإنسان في شيء من ذلك فهو كافر.

     فالكفار يُدخلون على المسلمين الشك، حتى إن بعض زعمائهم صرح قائلاً: لا تحاولوا أن تُخرجوا المسلم من دينه إلى دين النصارى، ولكن يكفي أن تُشككوه في دينه؛ لأنكم إذا شككتموه في دينه سلبتموه الدين، وهذا كاف.

    قال تعالى: ﴿وَقَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَىٰ هُدَى اللَّهِ أَن يُؤْتَىٰ أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران:72-73].

     هذه مكيدة أرادوها اليهود في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ليُلبسوا على الضعفاء من المسلمين أمر دينهم، وهو أنهم تشاوروا فيما بينهم أن يُظهروا الإيمان أول النهار ويُصلوا مع المسلمين صلاة الصبح، فإذا جاء آخر النهار ارتدوا إلى دينهم ليقول الجهلة من المسلمين: لقد ارتدوا عن دين الإسلام لأنهم وجدوا نقصًا فيه وعيبًا فيرتدون معهم. [تفسير القرآن العظيم بتصرف].

     والنجاة من الشبهات لن يتم إلا بتعلم التوحيد فبالتوحيد يدرأ المسلمُ الشبهات، ويصون نفسه عن الشرك وأنواعه وضلاله، فتعلم ياعبدالله توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، وهو معنى الإيمان بالله تعالى وأن تؤمن بالملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر والقدر خيره وشره من الله عز وجل.

    والنوع الثاني من الفتن في الدنيا ألا وهي الشهوات، هناك شهوات كثيرة من نساء، ومال، وجاه وغيرها، فإذا نظر المسلم إلى مُتع الدنيا وشهواتها يُخشى عليه أن ينزلق في هذه الأوحال، إلا إذا كان عنده دين يحميه من الشهوات، والدين يتمثل في التزام تقوى الله عز وجل وطاعته، من الحرص على الصلوات الخمس جماعة في المسجد ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت:45]، وقد يقول قائل أنا أصلي والحمدلله ولكني أقع في المغريات والفتن، نقول له: إنك لم تصل الصلاة المطلوبة منك والتي أمر الله بها بقوله (وأقيموا الصلاة) والتي أمر بها صلى الله عليه وسلم بقوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي» فلم تأت بشروطها وأركانها وواجباتها وسننها كما يجب، بل صليتها بلا خشوع ولا طمأنينة ولا استشعار حقيقي بلذتها فلم تنفعك في صدك عن الشهوات لأنك لم تتأثر بها! ولم تحقق أرحنا بها يا بلال!

     وعليك بقراءة القرآن ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء:9]، اعرض نفسك ومشاكلك على كتاب الله تعالى ستجد كل الحلول لها، واحرص على الأذكار كما علمنا إياها عليه الصلاة والسلام كقوله صلى الله عليه وسلم: «من قال إذا خرجَ الرَّجلُ من بيتِهِ بسمِ اللَّهِ توكَّلتُ على اللَّهِ ولا حولَ ولا قوَّةَ إلَّا باللَّهِ يقالُ له هديتَ وكُفيت ووُقيتَ فيتنحَّى عنه الشَّيطانُ ويقولُ شيطانٌ آخرُ كيفَ له برجلٍ هُديَ وكُفيَ ووُقي» [رواه أبوداود وحسنه ابن حجر]، وعليك بالصحبة الصالحة قال صلى الله عليه وسلم: «الرجلُ على دينِ خليلِه فلينظرْ أحدُكم من يُخالِلُ» [رواه أبوداود].

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.

الخطبة الثانية:

     المنجي من فتن الدنيا بعد هداية الله وفضله سبحانه خمسة توحيد يُنجيك من الشرك وأنواعه وضلاله، وصلاة وقراءة قرآن وأذكار وصحبة صالحة تُنجيك من الفحشاء والمنكر، فاستمسك بذلك يا رعاك الله واحذر زلة القدم.

     قال صلى الله عليه وسلم: «لا تَزولُ قَدَمَا عبدٍ حتى يُسأَلَ عن عُمُرِه فيمَ أفناهُ؟ وعن عِلمِه فيمَ فَعَلَ فيه؟ وعن مالِهِ من أين اكتسَبَهُ؟ وفيم أنفَقَهُ؟ وعن جِسمِه فيمَ أبلاهُ؟» [رواه الترمذي وصححه الأرناؤوط].