خطبة احذروا الظلم!
عن عقبة بن عمرو رضي الله عنه قال: كُنْتُ أَضْرِبُ غُلَامًا لِي، فَسَمِعْتُ مِن خَلْفِي صَوْتًا: «اعْلَمْ، أَبَا مَسْعُودٍ، لَلَّهُ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عليه»، فَالْتَفَتُّ فَإِذَا هو رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، فَقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، هو حُرٌّ لِوَجْهِ اللهِ، فَقالَ: «أَما لو لَمْ تَفْعَلْ لَلَفَحَتْكَ النَّارُ، أَوْ لَمَسَّتْكَ النَّارُ» [رواه مسلم].
تحذير شديد من النبي صلى الله عليه وسلم لكل من يظلم أحدًا، بأن قدرة الله تعالى على تعذيبه أكبر وأشد من قدرته على ظلمه لهذا الشخص، ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم:42]، وهذا وعيد شديد للظالمين، وتسلية للمظلومين، حيث أمهلهم وأدرَّ عليهم الأرزاق، وتركهم يتقلبون في البلاد آمنين مطمئنين، فليس في هذا ما يدل على حسن حالهم فإن الله يملي للظالم ويمهله ليزداد إثما، حتى إذا أخذه لم يفلته قال صلى الله عليه وسلم وهو يؤكد هذا المعنى: «إنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظّالِمِ، حتَّى إذا أخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ» ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود:102]. [رواه البخاري]، والظلم هنا يشمل الظلم فيما بين العبد وربه وظلمه لعباد الله. [تيسير الكريم الرحمن بتصرف].
ويَأمُرُنا النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بأنْ نَتَّقي الوقوعَ في الظُّلم، وهو كلُّ أذًى يَتسبَّبُ فيه المسْلمُ لغَيرِه، سواءٌ كان إنسانًا أو حيوانًا، فَيأمُرُ المسْلِمينَ بالخوفِ والحذَرِ وَالابتعادِ عنه، فيقول: «اتَّقُوا الظُّلْمَ، فإنَّ الظُّلْمَ ظُلُماتٌ يَومَ القِيامَةِ» [رواه مسلم].
بل حتى لو كان الظلم بين البهائم أجلكم اللهُ نفسَها سيؤُخذُ بحق البهيمة المظلومة من البهيمة الظالمة لأن الله عادل سبحانه وتعالى لايرضى بالظلم، قال عليه الصلاة والسلام: «لَتُؤَدُّنَّ الحُقُوقَ إلى أهْلِها يَومَ القِيامَةِ، حتَّى يُقادَ لِلشّاةِ الجَلْحاءِ، مِنَ الشَّاةِ القَرْناءِ» [رواه مسلم]، أي حتى يؤخذ بحق الشاة التي ليس لها قرن من الشاة التي لها قرن حين نطحتها ظلمًا وعدوانًا!
بل سينصُر الله تعالى المظلوم وسيأخذ له بحقه وإن كان شيئًا صغيرًا، قال صلى الله عليه وسلم: «مَن ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنَ الأرْضِ طُوِّقَهُ مِن سَبْعِ أرَضِينَ» [متفق عليه].
حتى لو كان أقل من شبر فإنه يُجعَلُ هذا المِقدارُ مِنَ الأرضِ الذي اغتصبه من صاحبه ظلمًا وعدوانًا كالطَّوقِ يُحيطُ به يَومَ القيامةِ؛ عِقابًا له والعياذ بالله.
لا تَظلِمَنَّ إِذا ما كُنتَ مُقتَدِرًا *** فَالظُلمُ آخرهُ يأتيك بالنَدَمِ
نامت عيونك وَالمظلومُ مُنتَبِهٌ *** يَدعو عَلَيكَ وَعَينُ اللَهِ لَم تَنَمِ
الظلم يا عباد الله يجلب غضبَ الجبار، وخرابَ الديار، وهو دليل على ظُلمة القلب وقسوته، وهو من الكبائر، وقد حذرنا صلى الله عليه وسلم من أن يكون أحدنا إمعة فقال: «لا تَكونوا إمَّعةً، تَقولونَ: إن أحسنَ النَّاسُ أحسنَّا، وإن ظلَموا ظلَمنا، ولَكِن وطِّنوا أنفُسَكُم، إن أحسنَ النَّاسُ أن تُحسِنوا، وإن أساءوا فلا تظلِموا» [رواه الترمذي وقال: حسن غريب، وقال محقق جامع الأصول: إسناده حسن]، وإذا لم نأخذ على يد الظالم فسد المجتمع وفسدت الأمة قال صلى الله عليه وسلم: «انْصُرْ أخاكَ ظالِمًا أوْ مَظْلُومًا» فقالَ رَجُلٌ: يا رَسولَ اللَّهِ، أنْصُرُهُ إذا كانَ مَظْلُومًا، أفَرَأَيْتَ إذا كانَ ظالِمًا، كيفَ أنْصُرُهُ؟ قالَ: «تَحْجُزُهُ -أوْ تَمْنَعُهُ- مِنَ الظُّلْمِ؛ فإنَّ ذلكَ نَصْرُهُ» [رواه البخاري].
عافانا الله وإياكم من الظلم أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه…
الخطبة الثانية:
إن جزاء الظالمين في الدنيا والآخرة مقطوع به، ووقوع البلاء بالظالمين أمر محسوس ومشاهد، وتاريخ الظالمين على هذه الأرض ترويه الخرائب المظلمة، والقصور الخاوية، والمصير البائس المشؤوم، ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [النمل:52].
وليحذر كل منا خطورة الظلم فإن الرسول صلى الله عليه وسلم أوصانا فقال: «اتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ، فإنَّهَا ليسَ بيْنَهَا وبيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ» [رواه البخاري]، وقال: «دعوةُ المظلومِ مُستجابةٌ وإن كان فاجرًا ففجرُه على نفسِه» [رواه أحمد وانظر الصحيحة 2/395].
وقال عليه الصلاة والسلام: «اتَّقُوا دعوةَ المظلومِ؛ فإنَّها تَصْعَدُ إلى السَّماءِ كأنَّها شَرَارَةٌ» [صحيح الترغيب (2228)]، الجَزاءَ من جِنسِ الفِعلِ، كما جرَتْ به سُنَّتُه تَعالى، فمَن ألهَبَ قلْبَ المظلومِ ومَلَأَه بالقَهرِ وظَلَمَه، فلْيرتقبْ لنارِ الجَزاءِ في الدارينِ. [شرح موقع الدرر].
يا أَيُّها الظالِمُ في فِعلِهِ *** وَالظُلمُ مَردودٌ عَلى مَن ظَلَم
إِلى مَتى أَنتَ وَحَتّى مَتى *** تَشكو المصيبات وَتَنسى النِعَم
اللهم لاتجعلنا من الظالمين يارب العالمين وأبعدنا عن الظلم وأهله، وقربنا من العدل وأهله ياذا الجلال والإكرام.