خطبة إنما الأعمال بالنيات
عن أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه» [متفق عليه].
«إنما الأعمال بالنيات» يعني أن كل عمل لابد فيه من نية، فكل عمل يعمله الإنسان وهو عاقل مختار، فلابد فيه من نية، ولا يمكن لأي عاقل مختار أن يعمل عملاً إلا بنية؛ حتى قال بعض العلماء: لو كلفنا الله عملاً بلا نية، لكان من تكليف ما لا يطاق!
من الناس من نيته في القمة في أعلى شيء، ومن الناس من نيته في القمامة في أخس شيء وأدنى شيء؛ حتى إنك لترى الرجلين يعملان عملاً واحدًا يتفقان في ابتدائه وانتهائه وفي أثنائه، وفي الحركات والسكنات، والأقوال والأفعال، وبينهما كما بين السماء والأرض، وكل ذلك باختلاف النية، هناك من يصلي لله فيؤجر، وهناك من يصلي رياءً فيكون عمله مردود عليه.
ونتيجة ذلك: «وإنما لكل امرئٍ ما نوى»؛ فكل امرئٍ له ما نوى، إن نوى الله والدار الآخرة في أعماله الشرعية، حصل له ذلك، وإن نوى الدنيا، قد تحصل وقد لا تحصل.
قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الاسراء:١٨]، ما قال: عجلنا له ما يريد؛ بل قال: ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ﴾، لا ما يشاء هو؛ ﴿لِمَنْ نُرِيدُ﴾ لا لكل إنسان، فقيد المعجَّل والمعجَّل له؛ فمن الناس: من يُعطى ما يريد من الدنيا، ومنهم: من يُعطى شيئًا منه، ومنهم: من لا يعطى شيئًا أبدًا.
أما: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً﴾ [الإسراء:١٩]، لابد أن يجني ثمرات هذا العمل الذي أراد به وجه الله والدار الآخرة.
وقد ضرب صلى الله عليه وسلم مثلا على ذلك فقال: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه»، من الناس من يهاجر مخلصًا لله متبعًا لشريعة الله عز وجل راغبًا فيها، ومنهم من يهاجر لأمر دنيوي لشي من الدنيا أو لامرأة يريد أن يتزوجها، وفرق بين الهجرتين، فالأولى لله والأخرى للدنيا. قال الإمام الصنعاني رحمه الله:
إذا لم يكنْ لله فِعلُك خالصًا *** فكلُّ بِناءٍ قد بَنَيتَ خَرابُ
فللعمل الإِخلاصُ شرطٌ إذا أتى *** وقد وافقتْه سنةٌ وكتابُ
«إنما الأعمال بالنيات» ميزان لكل عمل؛ لكنه ميزان الباطن، وقوله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه الشيخان عن عائشة رضي الله عنها: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» ميزان للأعمال الظاهرة.
ولهذا قال أهل العلم: هذان الحديثان يجمعان الدين كله. حديث عمر: «إنما الأعمال بالنيات» ميزان للباطن، وحديث عائشة: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» ميزان للظاهر.
اللهم أصلح باطننا وظاهرنا يا رب العالمين.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه…
الخطبة الثانية:
الإخلاص لله عز وجل واتباع النبي صلى الله عليه وسلم أساس الأعمال والأقوال، وعليه مدار القبول والرفض، ولا يجازى الإنسان يوم القيامة إلا على ما في قلبه، لقول الله تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ * يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ * فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ﴾ [الطارق:٨-١٠]، يعني: يوم تُختبر السرائرـ القلوب ـ كقوله: ﴿أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ [العاديات:٩-١٠].
ففي الآخرة: يكون الثواب والعقاب، والعمل والاعتبار بما في القلب.
أما في الدنيا: فالعبرة بما ظهر، فيُعامل الناس بظواهر أحوالهم، ولكن هذه الظواهر: إن وافقت ما في البواطن، صلح ظاهره وباطنه وسريرته وعلانيته، وإن خالفت وصار القلب منطويًا على نية فاسدة، نعوذ بالله ـ فما أعظم خسارته؟! يعمل ويتعب ولكن لا حظ له في هذا العمل؛ كما جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: «قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري، تركته وشركه».
فالله الله أيها الأحباب بإخلاص النية لله سبحانه وتعالى، واعلم أخي الحبيب: أن الشيطان قد يأتيك عند إرادة عمل الخير، فيقول لك: إنك إنما تعمل هذا رياء، فيُحبط همتك ويُثبطك ولكن لا تلتفت إلى هذا، ولا تُطعه وافعل لخير؛ ولا تقل: إني أرائي وما أشبه ذلك.
[الخطبة من شرح الشيخ ابن عثيمين لرياض الصالحين بتصرف]