قال تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة:185].
قال الإمام ابن كثير رحمه الله: أي: ولتذكروا الله عند انقضاء عبادتكم. [تفسير القرآن العظيم].
وقال الشيخ السعدي رحمه الله: لئلا يتوهم متوهم، أن صيام رمضان، يحصل المقصود منه ببعضه، دفع هذا الوهم بالأمر بتكميل عدته، ويشكر الله تعالى عند إتمامه على توفيقه وتسهيله وتبيينه لعباده، وبالتكبير عند انقضائه، ويدخل في ذلك التكبير عند رؤية هلال شوال إلى فراغ خطبة العيد. [تيسير الكريم الرحمن].
إن ذكر الله عز وجل يا عباد الله حث عليه المولى تعالى بعد كل عبادة ليكون المسلم على صلة مستمرة بربه جل وعلا، ولايغفل عن عبادته، قال تعالى بعد الإفاضة من عرفات: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾. [البقرة:198].
وقال تعالى بعد الإفاضة من مزدلفة: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وقال عند انتهاء المناسك: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آَبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ وقال في أيام التشريق: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة:199-203].
وقال بعد انقضاء الصلاة: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء:103]، والأذكار بعد الصلاة الواردة عن المصطفى صلى الله عليه وسلم شاهدة كذلك على هذا.
عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خصلتان لا يحصيهما رجل مسلم إلا دخل الجنة وهما يسير ومن يعمل بهما قليل، يسبح الله في دبر كل صلاة عشرًا، ويكبر عشرًا، ويحمد عشرًا، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعقدها بيده فذلك خمسون ومائة باللسان وألف وخمسمائة في الميزان. وإذا أوى إلى فراشه سبح وحمد وكبر مائة فتلك مائة باللسان وألف في الميزان، فأيكم يعمل في اليوم ألفين وخمسمائة سيئة؟» قالوا: وكيف لا يحصيهما؟ قال: «يأتي أحدكم الشيطان وهو في الصلاة فيقول اذكر كذا وكذا حتى ينفك العبد لا يعقل، ويأتيه وهو في مضجعه فلا يزال يُنومه حتى ينام». [رواه الترمذي وابن ماجه، واللفظ له، والحديث صححه الشيخ الألباني].
عباد الله من امتن الله عز وجل عليه بإكمال صيام شهر رمضان فليشكر الله عز وجل على ذلك، وليكبر الله تعالى من حين رؤيته لهلال شهر شوال وحتى صلاة العيد، ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: حق على المسلمين إذا نظروا إلى هلال شوال أن يكبروا الله حتى يفرغوا من عيدهم؛ لأن الله تعالى ذكره يقول: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ﴾. [رواه ابن جرير].
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لا يَخرُجُ يومَ الفِطرِ حتى يَأكُلَ تَمَراتٍ، ويَأكُلُهنَّ وِترًا. [رواه الدارقطني واللفظ له والبخاري].
ويستحب للمسلم أن يخرج ماشيًا لصلاة العيد، وأن يخالف الطريق، وأن يلبس أحسن الثياب، وأن يُظهر الفرح والسرور وأن يوسع على أهله وعياله في يوم العيد.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه…
الخطبة الثانية:
عباد الله لاينس المسلم إخراج زكاة الفطر في ليلة العيد وقبل خروجه لصلاة العيد، عن نفسه وعمن يعول، عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: فَرَضَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعًا مِن تَمْرٍ، أوْ صَاعًا مِن شَعِيرٍ علَى العَبْدِ والحُرِّ، والذَّكَرِ والأُنْثَى، والصَّغِيرِ والكَبِيرِ مِنَ المسْلِمِينَ، وأَمَرَ بهَا أنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إلى الصَّلَاةِ. [رواه البخاري 1503].
وَاعْلَمُوا أَنَّ هَذِهِ الزَّكَاةَ طُهْرَةٌ لَكُمْ مِنَ الذُّنُوبِ وَالْآثَامِ؛ فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ اَلْفِطْرِ؛ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ، فَمَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ» [رواه أَبُو دَاوُدَ وَحَسَّنَهُ الْأَلْبَانِيُّ].
اللهم تقبل منا رمضان…