خطبة ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾

     قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ۞ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: 183-184].

     قال السعدي رحمه الله: أي: قليلة في غاية السهولة. [تيسير الكريم الرحمن].

     على المسلم يا عباد الله أن يبادر إلى الأعمال الصالحة، قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة:148]، وقال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:133].

     ولابد من الاهتمام بالآخرة وتقديمها على الدنيا الفانية: قال صلى الله عليه وسلم: «من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر» [صحيح الترغيب:6510].

     وينبغي عدم تضييع شهر رمضان بالسهر واللعب والأمر الدنيوية قال صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه» [متفق عليه].

     وقال صلى الله عليه وسلم: «من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه» [متفق عليه]، وقال: «مَن قامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إيمانًا واحْتِسابًا، غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ». [متفق عليه]، وقال: «مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا» [رواه الترمذي وابن ماجه وابن حبان، وصححه الترمذي وابن حبان].

      إن الفرص يا عباد الله لا تأتي للشخص كل يوم وفي كل وقت، فالفرصة كالصيد قد تستطيع أن تصيد الطائر وقد لا تستطيع، وفي المثل: (عاجز الرأي مضياع لفرصته) أي أن الإنسان المتردد الذي لا يستطيع أن يستقر على رأي تضيع منه الفرصة، فيجب عليه أن يحزم أمره ويتخلص من الخوف والجبن والتردد، وقد قال القائل:

إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة … فإنَّ فساد الرأي أن تترددا

     وعندما عرضت الأمم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «فنظرت فإذا سواد كثير، قلت: يا جبريل، هؤلاء أمتي؟ قال: لا، ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت فإذا سواد كثير، قال: هؤلاء أمتك، وهؤلاء سبعون ألفا قدامهم لا حساب عليهم ولا عذاب، قلت: ولم؟ قال: كانوا لا يكتوون، ولا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون» فقام إليه عكاشة بن محصن رضي الله عنه فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، قال صلى الله عليه وسلم: «اللهم اجعله منهم» ثم قام إليه رجل آخر قال: ادع الله أن يجعلني منهم، قال: «سبقك بها عكاشة» [رواه البخاري6541]، أقول ماذا لو فوت هذا الصحابي الجليل عكاشة رضي الله عنه الفرصة؟ وقال: لأسأل النبي صلى الله عليه وسلم بعد قليل، ألا يكون قد فوت الفرصة وحصل عليها من قام بعده؟ إن هذا الحديث دليل واضح على ضرورة اغتنام الفرصة إذا أتتك فلا تفوتها واسمع معي هذه القصة العجيبة التي تدل على أهمية اغتنام الفرص وأن الذي لا يغتنم الفرصة غافل عن أهميتها وفائدتها له، أتى النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أعرابيًّا فأكرَمه فقال له: «ائتِنا» فأتاه فقال له رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «سَلْ حاجتَكَ» قال: ناقةٌ نركَبُها وأعنُزٌ يحلُبُها أهلي، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «أعجَزْتُم أنْ تكونوا مِثْلَ عجوزِ بني إسرائيلَ؟» قالوا: يا رسولَ اللهِ وما عجوزُ بني إسرائيلَ؟ قال: «إنَّ موسى عليه السَّلامُ لَمَّا سار ببني إسرائيلَ مِن مِصرَ ضلُّوا الطَّريقَ فقال: ما هذا؟ فقال علماؤُهم: إنَّ يوسُفَ عليه السَّلامُ لَمَّا حضَره الموتُ أخَذ علينا مَوثقًا مِن اللهِ ألَّا نخرُجَ مِن مِصْرَ حتَّى ننقُلَ عِظامَه معنا قال: فمَن يعلَمُ موضِعَ قبرِه؟ قال: عجوزٌ مِن بني إسرائيلَ فبعَث إليها فأتَتْه فقال: دُلِّيني على قبرِ يوسُفَ. قالت: حتَّى تُعطيَني حُكْمي. قال: وما حُكْمُكِ؟ قالت: أكونُ معكَ في الجنَّةِ. فكرِه أنْ يُعطيَها ذلكَ فأوحى اللهُ إليه: أنْ أعطِها حُكْمَها. فانطلَقَتْ بهم إلى بُحيرةٍ، موضعِ مُستنقَعِ ماءٍ، فقالت: أنضِبوا هذا الماءَ فأنضَبوه فقالتِ: احتَفِروا فاحتَفَروا فاستخرَجوا عِظامَ يوسُفَ فلمَّا أقلُّوها إلى الأرضِ وإذا الطَّريقُ مِثْلُ ضوءِ النَّهارِ» [صحيح ابن حبان (723) وانظر السلسلة الصحيحة (313)].

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه…

الخطبة الثانية:

     أيها الأحباب الكرام أقول ماذا لو فوتت هذه العجوز حفظ هذا السر وأفشته لكل الناس من بني إسرائيل؟ ألا تكون هذه المنزلة العظيمة قد فاتتها؟ إن في الحياة فرصًا كثيرةً يا عباد الله فهل نتقاعس عن الحصول عليها واستغلالها؟! إن من الناس من لم يسأل نفسه هذه الأسئلة:

هل أتتني فرصة لأدعو بها إلى دين الله عز وجل ويدخل كافر أو كافرة إلى هذا الدين من الخدم لدي أو غيرهم بأسهل الطرق وفوتها؟

هل أتتني فرصة لأكون في الصف الأول في الصلاة وفوتها بتأخري عنها؟

هل أتتني فرصة بر الوالدين وصلة الرحم وفوتها؟

هل أتتني فرصة حفظ كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وفوتها؟

هل وهل وهل …؟

     قال صلى الله عليه وسلم: «الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله» [رواه الترمذي وحسنه]، فانظر لوصف النبي صلى الله عليه وسلم: «والعاجز» ذاك الذي فوت حياته ولم ينتفع بها، فالحياة فرصة واحدة لا تتكرر، وما سمعنا أن شخصا عاش زيادة عن ما كُتب له فعدّل وأصلحَ كل ما أفسده في حياته.

بادرِ الفرصة َ واحذر فوتَهــــا  ***        فَبُلُـــــــــــوغُ الْعِزِّ في نَيْلِ الْفُرَصْ

واغْتَنِمْ عُمْرَكَ إِبَّانَ الصِّبَـــــــــــــا          ***        فهو إن زادَ مع الشيبِ نقَص

إِنَّمَا الدُّنْيَا خَيَالٌ عَـــــــــــارِضٌ ***        قلَّما يبقى وأخبـــــــــــــــــــــــارٌ تُقصْ

     جعلنا الله وإياكم من المغتنمين للفرص الموافقة لشرع الله عز وجل، النافعة للناس، المستنيرة بهدي خير البشر صلى الله عليه وسلم.