خطبة يُعْجِبُهُ الْفَأْلُ

     الْحَمْدُ للهِ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى، وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ؛ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ الرُّجْعَى، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الْمُجْتَبَى، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ صَلاَةً دَائِمَةً وَسَلاَماً يَتْرَى، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ سَارَ عَلَى هَدْيِهِ وَاقْتَفَى. ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ[ [آل عمران:102]، ثم أما بعد فيا عباد الله:

     إِنَّ الْحَيَاةَ تَتَقَلَّبُ صَفَحَاتُهَا؛ بَيْنَ خَيْرٍ وَشَرٍّ، وَسُرُورٍ وَحُزْنٍ، وَرَغَدٍ وَشِدَّةٍ، وَتَمُوجُ بِأَهْلِهَا مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ؛ وَفِي الْحَيَاةِ مَصَائِبُ وَمِحَنٌ وَابْتِلاَءَاتٌ؛ كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:155]، فَمُنذُ خَلَقَ اللهُ الدُّنْيَا؛ وَهِيَ لاَ تَثْبُتُ عَلَى حَالٍ وَاحِدٍ، وَإِنَّمَا تَتَقَلَّبُ بِالنَّاسِ فِي طُرُقٍ شَتَّى؛ كَمَا قَالَ الْقَائِلُ:

ثَمَانِيَةٌ تَجْرِي عَلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ       وَلاَ بُدَّ لِلإِنْسَانِ يَلْقَى الثَّمَانِيَهْ

سُرُورٌ وَحُزْنٌ وَاجْتِمَاعٌ وَفُرْقَةٌ        وَيُسْرٌ وَعُسْرٌ ثُمَّ سُقْمٌ وَعَافِيَهْ

     وَفِي الأُمَّةِ الْيَوْمَ مِنَ الْمَآسِي، وَتفَرّقُ الكَلِمَة؛ ومِنَ التَّشْرِيدِ وَالْقَتْلِ، والْفَسَادِ وَالْجَهْلِ؛ مَا يَجْعَلُهَا تَذِلُّ لأَعْدَائِهَا؛ وقد يَتَسَرَّبُ إلى الْمُتَأَمِّلِ لَوْنٌ مِنَ الْيَأْسِ وَالْقُنُوطِ وَالْهَمِّ، فَكَمْ نَحْتَاجُ إِلَى التَّفَاؤُلِ لإِزَاحَةِ هَذِهِ الأَثْقَالِ؟!.

عباد الله: إِنَّ الْمُتَأَمِّلَ فِي هَدْيِ النَّبِيِّ r يَجِدُ حِرْصَهُ عَلَى التَّفَاؤُلِ؛ فَيُبَشِّرُ فِي مَوْضِعِ الْخَوْفِ، وَيَبْسُطُ الأَمَلَ فِي مَوْضِعِ الْيَأْسِ وَالْقُنُوطِ؛ حَتَّى لاَ تُصَابَ النُّفُوسُ بِالإِحْبَاطِ؛ َجَاءَ فِي سُنَنِ الْبَيْهَقِيِّ عِنْدَ ذِكْرِ غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ t قال: «فَلَمَّا اشْتَدَّ الْبَلاَءُ عَلَى النَّبِىِّ r وَأَصْحَابِهِ؛ نَافَقَ نَاسٌ كَثِيرٌ، وَتَكَلَّمُوا بِكَلاَمٍ قَبِيحٍ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللهِ r مَا فِيهِ النَّاسُ؛ مِنَ الْبَلاَءِ وَالْكَرْبِ؛ جَعَلَ يُبَشِّرُهُمْ وَيَقُولُ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ لَيُفَرَّجَنَّ عَنْكُمْ؛ مَا تَرَوْنَ مِنَ الشِّدَّةِ وَالْبَلاَءِ، فَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَطُوفَ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ آمِناً، وَأَنْ يَدْفَعَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيَّ مَفَاتِيحَ الْكَعْبَةِ، وَلَيُهْلِكَنَّ اللهُ كِسْرَى وَقَيْصَرَ، وَلَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُمَا فِي سَبِيلِ اللهِ»، فَهَكَذَا يَكُونُ الرِّجَالُ بِالإِيمَانِ، يُحَوِّلُونَ الأَلَمَ إِلَى أَمَلٍ، وَالتَّشَاؤُمَ إِلَى تَفَاؤُلٍ، وَالضِّيقَ إِلَى سَعَةٍ، وَالْمِحْنَةَ إِلَى مِنْحَةٍ، فَتَحْلُو الْحَيَاةُ؛ رَغْمَ الْمَصَائِبِ وَالْجِرَاحِ.

     عِبَادَ اللهِ: (تَفَاءَلُوا بِالْخَيْرِ تَجِدُوهُ)، مَا أَرْوَعَهَا مِنْ كَلِمَةٍ! وَمَا أَعْظَمَهَا مِنْ عِبَارَةٍ!، نعم ليست حديثا نبويا، ولكنها حقيقة واقعة، ووصفة مجربة، من تفاءل بالخير وجده، ومن سعى للسعادة حصلها، ومن عاش التشاؤم قتله، الْمُتَفَائِلُ بِالْخَيْرِ سَيَحْصُدُ الْخَيْرَ؛ لأَنَّ التَّفَاؤُلَ يَدْفَعُ لِلْعَطَاءِ وَالتَّقَدُّمِ وَالْعَمَلِ؛ كَمَا قَالَ رَبُّنَا فِي كِتَابِهِ: ﴿إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الأنفال:70]، فَاجْعَلْ فِي قَلْبِكَ خَيْراً، وَأَبْشِرْ بِمَا يَسُرُّكَ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ r يُعْجِبُهُ الْفَأْلُ الْحَسَنُ وَيَكْرَهُ الطِّيَرَةَ» [أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ]، أي التشاؤم، وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ t قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ r: «لاَ عَدْوَى وَلاَ طِيَرَةَ، وَيُعْجِبُنِي الْفَأْلُ الصَّالِحُ: الْكَلِمَةُ الْحَسَنَةُ» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الأَدَبِ الْمُفْرَدِ].

      عباد الله إن عِظَمُ الْبَلاَءِ عَلَى الأُمَّةِ الْيَوْمَ؛ إِنَّمَا هُوَ تَطْهِيرٌ لِذُنُوبِهَا، وَتَمْكِينٌ لَهَا فِي مُسْتقْبَلِهَا، تَأَمَّلُوا مَعِي حَالَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ t؛ حِينَ مَرِضَ فِي مَكَّةَ مَرَضاً أَشْرَفَ فِيهِ عَلَى الْمَوْتِ، فَحَزِنَ سَعْدٌ t أَنْ يُخَلَّفَ فِي مَكَّةَ أَوْ يَمُوتَ؛ فَيَفُوتَهُ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ وَالْجِهَادِ مَا يَفُوتُ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ r وَأَعْطَاهُ جُرْعَةً مِنَ التَّفَاؤُلِ، فَقَالَ لَهُ: «إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ؛ فَتَعْمَلَ عَمَلاً تَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللهِ إِلاَّ ازْدَدْتَ بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً، ثُمَّ لَعَلَكَّ تُخَلَّفُ؛ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ، وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ» [أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ]، فَوَقَعَ مَا أَخْبَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ r، فَانْتَفَعَتِ الأُمَّةُ بِسَعْدٍ t؛ حِينَ فَتَحَ  بِلاَدَ فَارِسَ فِي مَعْرَكَةِ الْقَادِسِيَّةِ، وَأَضَرَّ بِالْمُشْرِكِينَ الْفُرْسِ الْمَجُوسِ.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

     عباد الله: كَمْ نَحْنُ بِحَاجَةٍ إِلَى التَّفَاؤُلِ وَالأَمَلِ، وَبَثِّ رُوحِ النَّشَاطِ وَالْعَمَلِ، وَالتَّخَلُّصِ مِنْ رِبْقَةِ التَّشَاؤُمِ وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ!!، فَبِذَا تَعْلُو أُمَّتُنَا عَلَى سَائِرِ الأُمَمِ، وَتُحَلِّقُ بِأَبْنَائِهَا إِلَى أَعْلَى الْقِمَمِ، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ ۞ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ [النحل:127-128].

     إِنَّ الْحَدِيثَ بِالتَّشَاؤُمِ؛ عَنْ حَالِ الأُمَّةِ يَفُتُّ فِي عَضُدِ الْمُسْلِمِينَ، وَيُصِيبُ بِالْحُزْنِ وَالْقُنُوطِ، فَإِيَّاكَ أَنْ تُرَدِّدَ كَلِمَاتِ الْخَوَرِ، أَوْ أَنْ تَظُنَّ بِاللهِ ظَنَّ السَّوْءِ، فَلاَ تُسِئْ ظَنّاً بِاللهِ وَأَنْتَ تَرْتَقِبُ حَالَ الْمُصَابِرِينَ الْمُدَافِعِينَ عَنِ الأُمَّةِ الْيَوْمَ، وَحَذَارِ أَنْ تَكُونَ كَمَنْ ذَمَّ اللهُ تَعَالَى فَقَالَ: ﴿بَلْ ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَىٰ أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَٰلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ [الفتح:12]، بُوراً جَمْعُ بَائِرٍ، وَالْبَائِرُ: الْهَالِكُ الْمُتَشَائِمُ الْمُنْهَزِمُ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ t أَنَّ رَسُولَ اللهِ r قَالَ: «إِذَا قَالَ الرَّجُلُ هَلَكَ النَّاسُ؛ فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ». إِنَّ كَثْرَةَ الْكَلاَمِ عَنْ قُوَّةِ الأَعْدَاءِ مِنَ الْكُفَّارِ؛ قَدْ تُورِثُ الْقُلُوبَ وَهْناً، فَتَتَوَهَّمُ الضَّعْفَ وَقِلَّةَ الْحِيلَةِ، فَيَجُرُّ ذَلِكَ إِلَى الْيَأْسِ وَتَرْكِ الْعَمَلِ، وَدَوَاءُ ذَلِكَ أَنْ تَمْتَلِئَ النُّفُوسُ بِالثِّقَةِ بِاللهِ، وَالتَّصْدِيقِ بِوَعْدِهِ، ثُمَّ تَبْذُلَ الأَسْبَابَ لِتَحْقِيقِ ذَلِكَ بِالسَّعْيِ، قَالَ اللهُ تَعاَلَى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر:51]، وَيَقُولُ جَلَّ جَلاَلَهُ: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:249].

ازْأَرْ كَـآسادِ الشَّـرَى      وَاصْفَعْ جَبِينَ مَنِ افْتَرَى

مَـنْ لَـجَّ فِي طُغْيَانِـهِ      وَرَمَى الْمَبَادِئَ وَازْدَرَى

فَاحْذَرْ فَدَيْتُكَ يَا أَبِـيُّ      مِنَ الرُّجُوعِ الْقَهْقَـرَى

وَأَنِرْ لِكَابُوسِ الدُّجَـى      فِي اللَّيْلِ خَيْلاً ضُمَّـرَا

إِنِّي أَرَى الصُّبْحَ الْقَرِيبَ     فَهَلْ تُؤْكِّـدُ مَـا أَرَى

     اللهم انصر الإسلام والمسلمين، وأعل راية الحق والدين، اللهم نصرك المؤزر المبين يا رب العالمين، اللهم رد المسلمين إلى دينهم ردا جميلا، اللهم من أراد المسلمين بسوء فأشغله في نفسه ورد كيده في نحره، واجعل تدبيره في تدميره يا ذا الحلال والإكرام…