خطبة يُذهب وحر الصدر!

      قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفلا أخبرُكُم بما يُذهِبُ وحرَ الصَّدرِ؟» قالوا: بلَى! قالَ: «صيامُ ثلاثةِ أيَّامٍ من كلِّ شَهْرٍ» [صحيح النسائي (2385)].

     الصيام يا عباد الله يُزيلُ ما بالصدر مِن الغِشِّ والحِقدِ، والغيظ والنفاق والغضبِ، وهذا من نعمة الله تعالى علينا، وقد قيل لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ: أيُّ الناسِ أفضلُ؟ قال: «كلُّ مخمومِ القلبِ صدوقِ اللسانِ» قالوا: صدوقُ اللسانِ نعرفُه، فما مخمومُ القلبِ؟ قال: «هو التقيُّ النقيُّ لا إثمَ فيه ولا بغيَ ولا غِلَّ ولا حسدَ» [صحيح ابن ماجه (3416)].

     جاءت الشريعة يا عباد الله بالأمر بالتحاب بين المؤمنين، وسلامة صدور بعضهم لبعض، «كونوا عباد الله إخوانًا» [رواه مسلم]، ووفرت الشريعة كل فرصة فيها تقويةٌ لرابطة الأخوة، كما نهت عن كل أمر فيه إيذاء لهذه الرابطة.

     وسلامةُ القلبِ وصِدقُ اللِّسانِ من أجلِّ الصِّفاتِ التي ينبغي أن يَتحلَّى بها المسلمُ، وهي مِن الصِّفاتِ التي يَتفاضَلُ فيها الناسُ، وهي مِن أعظمِ أسبابِ دخولِ الجَنَّةِ.

     وصدور المؤمنين لا محل للحقد فيها؛ لأن الأصل في صدورهم أنها سليمة مملؤة بالمحبة وإرادة الخير للآخرين، فلا مجال للغل فيها، بل إن من علامات الإيمان سلامة القلب للمؤمنين، لأن صاحب القلب السليم هو الذي ينجو يوم الدين، ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:88 – 89]، ولقد ضرب يوسف u مثلاً عاليًا جدًا في رفض الحقد من نفسه، لقد ظلمه إخوانه ظلمًا بينًا عظيمًا، حقدوا عليه فماذا فعلوا به؟ حسدوه على هذه المنزلة من أبيه، أخذوه من بين أبيه وأمه وهو صغير، واجتمعوا حوله في العراء، لم يردعهم صغر سنه، ولا الغربة والوحشة التي سيكون فيها، ولا توصية أبيهم لهم، وألقوه في غيابة الجب، في ظلمته ووحدته ووحشته لا أنيس، على شفا هلكة، يصرخُ ولا يجيبه أحد، نُزعت من قلوبهم الرحمة في تلك اللحظات، وكانوا سببًا في بيعه واستعباده، وصار عبدًا ذليلاً، وقد كان حرًا عند أبيه.

وظلم ذوي القربى أشد مضاضة *** على النفس من وقع الحسام المهند

     وليس من اليسير على النفس أن تنتقل من حال الحرية إلى حال الذُل والعبودية، ثم كانت هذه الغربة سببًا في ابتلائه ووقوعه في السجن؛ لأنه لما وقع في قوم لا يعرفون قدره كادوا له وسجنوه.

هذه الأفعال في الشخص العادي ماذا تورث يا عباد الله؟! ما هو المتوقع؟

     إنها تورث الحقد الأسود الدفين عليهم، لكن نفس النبي يوسف u تأبى هذا، والقلب الصافي لا يمكن أن يحقد، ولذلك لما قدر عليهم يوسف u كان المتوقع أن يُنزل بهم أقصى درجات العقوبة، لكنه سامحهم، وقال لهم: ﴿لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف:92] هذه أخلاق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فعندما تتوالى دواعي الحقد في نفس الإنسان، ويُظلمُ من أقرب الناس إليه، ثم لا يحقد، معناها أنه صاحب دين وإيمان.

قال عنترة [ديوان عنتر بن شداد ص11]:

لا يحملُ الحقدَ مَن تعلو به الرُّتبُ             ولا ينالُ العًلا مَن طبعُه الغضبُ

     وقد بلغ رجل من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين منزلةً أن يبشر بالجنة وهو يعيش في الدنيا بين الناس بسبب سلامة صدره؛ في هذه القصة العظيمة التي رواها الإمام أحمد -رحمه الله- وغيره وهو حديث صحيح عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كنَّا جلوسًا مع الرَّسول صلى الله عليه وسلم فقال: «يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنَّة»، فطلع رجل من الأنصار، تَنْطِفُ لحيته من وضوئه، – أي يقطرُ الماءُ من لحيته من وضوئه – قد تَعَلَّق نَعْلَيه في يده الشِّمال، فلمَّا كان الغد، قال النَّبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك، فطلع ذلك الرَّجل مثل المرَّة الأولى، فلمَّا كان اليوم الثَّالث، قال النَّبي صلى الله عليه وسلم مثل مقالته أيضًا، فطلع ذلك الرَّجل على مثل حاله الأولى، فلمَّا قام النَّبي صلى الله عليه وسلم تبعه عبد الله بن عمرو بن العاص، فقال: إنِّي لَاحَيْت أبي – أي نازعت أبي – فأقسمت ألَّا أدخل عليه ثلاثًا، فإن رأيت أن تُـؤْوِيَني إليك حتَّى تمضي، فَعلتَ. فقال: نعم. قال أنس: وكان عبد الله يحدِّث أنَّه بات معه تلك الليالي الثَّلاث، فلم يره يقوم من اللَّيل شيئًا، غير أنَّه إذا تعارَّ وتقلَّب على فراشه، ذَكَر الله عزَّ وجلَّ وكبَّر حتَّى يقوم لصلاة الفجر، قال عبد الله: غير أنِّي لم أسمعه يقول إلَّا خيرًا. فلمَّا مضت الثَّلاث ليال، وكدت أن أحتقر عمله، قلت: يا عبد الله، إنِّي لم يكن بيني وبين أبي غضب ولا هَجْرٌ، ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ثلاث مِرَار: يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنَّة، فطلعت أنت الثَّلاث مِرَار، فأردت أن آوي إليك لأنظر ما عملك، فأقتدي به، فلم أرك تعمل كثير عملٍ، فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: ما هو إلا ما رأيت، غير أنِّي لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غِشًّا، ولا أحسد أحدًا على خير أعطاه الله إياه. فقال عبد الله: هذه التي بلغت بك، وهي التي لا نطيق [رواه أحمد: 12720، وإسناده على شرط الشيخين]. 

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه…

الخطبة الثانية:

     أخي الحبيب تأمل كيف أثنى الله على المهاجرين والأنصار ومن اتبعهم بإحسان، قال الله: ﴿لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر:8].

هذا الفيء لمن؟ للفقراء المهاجرين الذين هذا ما أصابهم في سبيل الله وصبروا أولئك هم الصادقون.

﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ [الحشر:9] ما هي الدار؟ المدينة.

من الذي تبوأها قبل المهاجرين؟ الأنصار.

 ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا﴾ [الحشر:9]. لا يجد الأنصار في صدورهم حقدًا ولا حسدًا على المهاجرين من الفضل الذي أوتيه المهاجرون، فإن المهاجرين أفضل، لكن الأنصار ما حسدوهم على هذه الأفضلية: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:9].

     والذين جاؤوا من بعدهم، وساروا على هديهم، الذين جاؤوا من بعدهم، التابعين بإحسان ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحشر:10].

﴿وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا﴾ هذا من دعاء التابعيين بإحسان.

     ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم.