خطبة  (وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ)

قال الله تعالى: )وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا( البقرة 217.

فقد أخبر تعالى أنهم لن يزالوا يقاتلون المؤمنين، وليس غرضهم في أموالهم وقتلهم، وإنما غرضهم أن يرجعوهم عن دينهم، ويكونوا كفارا بعد إيمانهم حتى يكونوا من أصحاب السعير. السعدي بتصرف.

     وقد ظهر علنًا لكل أمة محمد صلى الله عليه وسلم في هذه الأيام كيف يُحرق كتابُ الله في السويد، حتى يُظهروا أن الإسلام دين إرهابي، ويُبعدوا المسلمين عن دينهم، وهذا ديدن الكفار من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانوا يُحاربون الدين ويَسعون إلى رد المسلمين عن دينهم، ولكن الله تعالى لهم بالمرصاد، ) وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىۗ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ۙ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ( البقرة:120.

     أيها المسلمون، إن العِلّةَ الأصليّة في عدم رِضا اليهود والنصارى عنا هي أننا لم ندخل في دينهم، ليس الذي ينقصهم هو البرهان، ولا الاقتناع بأننا على حق، فهم يعرفون محمدًا صلى الله عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم، ويعلمون أنّ ما جاء به من عند الله تعالى هو الحق، لكنهم لن يرضوا ولو قدّمنا إليهم ما قدّمنا، ولو تودّدنا إليهم ما تودّدنا، لن يُرضيهم من هذا كله شيء، إلا أن نتبع ملتهم ونترك ما معنا من الحق. وهذه الحقيقة ثابتة في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم.

     وهذه حقيقة المعركة التي يشنها اليهود والنصارى في كل أرض وفي كل وقت على المسلمين، ولن تهدأ، ولن تتوقف على الإطلاق.

    وقد أرسل الله نبيه صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق، وأنزل معه الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط، ولم يقبل سبحانه بعد الإسلام دينًا سواه، )وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ( آل عمران 85، فإن من يدين لله بغير دين الإسلام الذي ارتضاه الله لعباده، فعمله مردود غير مقبول، لأن دين الإسلام هو المتضمن للاستسلام لله إخلاصًا، وانقيادًا لرسله … وكل دين سواه فباطل. السعدي بتصرف.

     قال صلى الله عليه وسلم: «مَن أحدَث في أمرِنا ما ليسَ فيهِ فهوَ ردٌّ» رواه أبوداود، إن أعداء الله تعالى يكيدون للمسلمين كيدًا، ليردوهم عن دين الله فردًا فردًا، سلكوا في ذلك جميع السبل والوسائل، ونفذوا من أجله مخططات الأواخر والأوائل، فمَّرة مكرٌ وخديعة في ثوب الناصح الأمين، ومرّة غصبٌ واستعمارٌ تحت سِتار الإعانة والتأمين، فاحذروا ياعباد الله من مخططاتهم، وكونوا يدًا واحدة ضد رغباتهم، ولاتغرنكم أقوالهم وانظروا إلى أفعالهم، واعلموا أن الله عز وجل لهم بالمرصاد، )إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا( الطارق 15-17.

     اذكروا يا عباد الله الجرائم الشنيعة التي ارتكبها النصارى في حق مسلمي الأندلس، والحروب الصليبية الكبرى التي شنها النصارى على الإسلام والمسلمين، وفسادهم وإفسادهم، وتخريبهم ودمارهم، ونهب الأموال والممتلكات، حتى أنهم حَرَمُوا المسلمين من أدنى الحقوق التي لا تُحرم منها الدواب والبهائم أجلكم الله، وليست المذابح والمجازر في بلاد الإسلام في أيامنا هذه بعيدةٌ عن أنظارنا.

   أَنَّى اتَّجَهْتَ إِلَى الإِسْلاَمِ في بَلَدٍ     تَجِدْهُ كَالطَّيْرِ مَقْصُوصًا جَنَاحَاهُ

     وها هم اليوم يتغنون كذبًا وزورًا بالأمن والسلام، والوحدة والوئام؛ فهذا مجلس الأمن، وذاك مبعوث السلام، وهذه خُطة أمن، وتلك اتفاقية سلام!، وكله كذب على أمة الإسلام ومحاولة لمحو هذا الدين ولكن )يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُون( التوبة 32.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه…

الخطبة الثانية:

    نصوص القرآن والسُّنة تدل على أن البلاءَ الذي يُصيب المؤمنَ قد يكون تكفيرًا لسيئاته، وقد يكون رَفعًا لدرجاته، وزيادة في حسناته عند الله تعالى، وقد يكون تمحيصًا له، وتمييزًا للصادق من المنافق، وليس لابن آدمَ سبيلٌ للجزم بأن البلاء الواقع عليه هو لتكفير الخطايا، ومحو الذنوب والسيئات، أم إنه ابتلاء لتمحيص العبد، ورفع درجاته، وزيادة حسناته؛ لأنه من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله – تعالى-. الشبكة الإسلامية (284614).

     فالمعاصي سبب من أسباب المصائب والبلاء والشر الذي يحصل في المجتمعات، قال الله تعالى: )وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ( الشورى 30، ويقول عز من قائل: )ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ( الروم 41، فلننتبه لهذا الأمر ولنتجنب المعاصي التي هي شؤم على العباد والبلاد وسبب في جلب البلاء والمصيبة.

    و)إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ( الرعد11، فإذا كان الناس مستقيمين على أمر الله فإن الله يُنعم عليهم بالأمن، وسَعة الرزق، والراحة النفسية، والطمأنينة وغيرها من النعم العظيمة، فإذا ما غيروا بأن انحرفوا عن الطريق المستقيم وعملوا المعاصي، فإن الله يغير عليهم، فيبدلهم من بعد سَعة الرزق ضيقًا، ومن بعد الأمن خوفًا (جزاءً وفاقًا)، )وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ(، قال الله تعالى: )ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۙ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ( الأنفال 53، فهل نُدرك هذه الحقيقة يا أيها الأحباب الكرام؟! وهل يدفعنا إدراكنا لها إلى فعل الطاعات واجتناب المعاصي؟ هذا ما نرجوه، ونسأل الله أن يوفقنا له، فإن المعرفة والإدراك وحدها لا تكفي بل لابد من العمل، لنغير من السيئ إلى الأحسن عسى الله أن يتداركنا برحمته فنغير ما نحن فيه من فتن وبلاء إلى الخير والأمن والاطمئنان.

     نسأل الله أن يوفقنا لشكره وعدم كفره، ونسأله سبحانه أن يحفظ لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، ودنيانا التي فيها معاشنا، وآخرتنا التي إليها معادنا، وأن يجعل الحياة زيادة في كل خير والموت راحة لنا من كل شر، اللهم إذا أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك غير مفتونين يا رب العالمين.