أيام الله تعالى هي الأيام التي تظهر فيها نعمه أو نقمه، ويوم عاشوراء من تلك الأيام العظيمة، فإنه اليوم الذي أهلك الله عز وجل فيه فرعون وجنده، ونجّى نبيه موسى عليه الصلاة والسلام وقومه، ممن آمن به وبرسالته، وقد أمر الله تعالى نبيه موسى عليه الصلاة والسلام بتذكير قومه بهذا اليوم العظيم، فقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [إبراهيم:5].
أي: إن فيما صنعنا بأوليائنا بني إسرائيل حين أنقذناهم من يد فرعون، وأنجيناهم مما كانوا فيه من العذاب المهين، لعبرة لكل صبار، أي: في الضراء، شكور، أي: في السراء، كما قال قتادة رضي الله عنه: نعم العبدُ، عبدٌ إذا ابتلي صبر، وإذا أُعطي شكر. [الطبري].
وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «عَجَبًا لأَمْرِ المُؤْمِنِ، إنَّ أمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وليسَ ذاكَ لأَحَدٍ إلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إنْ أصابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكانَ خَيْرًا له، وإنْ أصابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكانَ خَيْرًا له». [رواه مسلم (2999)].
وإن لصيام يوم عاشوراء أجرًا عظيمًا عند الله تعالى: قال صلى الله عليه وسلم: «صِيَامُ يَومِ عَاشُورَاءَ، أَحْتَسِبُ علَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتي قَبْلَهُ». [رواه مسلم (1162)].
وعن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما: ما رَأَيْتُ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَتَحَرَّى صِيَامَ يَومٍ فَضَّلَهُ علَى غيرِهِ إلَّا هذا اليَومَ، يَومَ عَاشُورَاءَ، وهذا الشَّهْرَ يَعْنِي شَهْرَ رَمَضَانَ. [رواه البخاري (2006)].
وإن الحكمة من صيام يوم عاشوراء: ما ذكره ابن عباس رضي الله عنهما فقال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: «ما هذا؟» قالوا: هذا يوم صالحٌ، هذا يومٌ نجى الله بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى، قال: «فأنا أحق بموسى منكم» فصامه وأمر بصيامه. [رواه البخاري].
وصيام يوم عاشوراء مر بأربع مراحل: ففي المرحلة الأولى: كان الرسول صلى الله عليه وسلم يصوم عاشوراء مع قريش في الجاهلية، لكنه لم يكن يأمر الناس بصيامه، فعن عائشة رضي الله عنها: أن قريشًا كانت تصوم عاشوراء في الجاهلية. وفي رواية: كانوا يصومون عاشوراء قبل أن يُفرض رمضان، وكان يومًا تُستر فيه الكعبة. [رواهما البخاري].
يقول الإمام القرطبي في صيام قريش لعاشوراء في الجاهلية: لعل قريشًا كانوا يستندون في صومه إلى شرع من مضى كإبراهيم عليه السلام.
والمرحلة الثانية: حينما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة في ربيع الأول، وبعد مُضي فترة من قدومه رأى صيام اليهود لعاشوراء، فصامه وأمر الناس في السنة الثانية من الهجرة بصيامه، وهنا اختلف العلماء في حكم صيام عاشوراء قبل أن يُفرض صيام رمضان، فمنهم من يرى أنه كان واجبًا، ومنهم من يرى أنه كان سنة مؤكدة.
وأما المرحلة الثالثة: فكانت بعد فرض شهر رمضان في السنة الثانية للهجرة بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:183]، حيث توقف النبي صلى الله عليه وسلم عن الحث على صيامه مع بقاء استحبابه، فلما فُرض شهر رمضان قال رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: «إنَّ عَاشُورَاءَ يَوْمٌ مِن أَيَّامِ اللهِ، فمَن شَاءَ صَامَهُ وَمَن شَاءَ تَرَكَهُ». [رواه مسلم (1126)].
ودَخَلَ الأشْعَثُ بنُ قَيْسٍ علَى ابْنِ مَسْعُودٍ – رضي الله عنه – وَهو يَأْكُلُ يَومَ عَاشُورَاءَ فَقالَ: يا أَبَا عبدِ الرَّحْمَنِ، إنَّ اليومَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ فَقالَ: قدْ كانَ يُصَامُ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ رَمَضَانُ، فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ، تُرِكَ، فإنْ كُنْتَ مُفْطِرًا فَاطْعَمْ. [رواه مسلم (1127)].
وأما المرحلة الرابعة: فقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم على صومه مع عزمه على صيام يوم تاسوعاء مخالفة لليهود، عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: حين صام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء، وأمر بصيامه، قالوا يا رسول الله: إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فإذا كان العام المقبل إن شاء الله، صمنا اليوم التاسع». قال: فلم يأت العام المقبل، حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم. [رواه مسلم].
قال الإمام الحافظ ابن حجر رحمه الله: وقد كان صلى الله عليه وسلم يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء ولا سيما إذا كان فيما يخالف فيه أهل الأوثان، فلما فُتحت مكة واشتهر أمر الإسلام أحب مخالفة أهل الكتاب أيضًا كما ثبت في الصحيح، فهذا من ذلك، فوافقهم أولا وقال: «نحن أحق بموسى منكم»، ثم أحب مخالفتهم فأمر بأن يضاف إليه يوم قبله ويوم بعده خلافا لهم. [فتح الباري (4/770)].
الخطبة الثانية:
قال الإمام ابن القيم رحمه الله عن مراتب صوم يوم عاشوراء: فمراتب صومه ثلاثة: أكملها: أن يصام قبله يوم وبعده يوم، ويلي ذلك أن يصام التاسع والعاشر، وعليه أكثر الأحاديث، ويلي ذلك إفراد العاشر وحده بالصوم. [زاد المعاد لابن القيم (2/75) وقد ذكر هذه المراتب الحافظ ابن حجر في فتح الباري (4/311)].
وإن كان يوم عاشوراء قد نجى الله تعالى فيه موسى وقومه من فرعون وجنده، وأمر موسى أن يُذكر قومه بنعمة الله عليهم، فها نحن في هذه الأيام نتذكر كيف اغتصبت هذه الأرض الحبيبة، وكيف أعادها الله عز وجل لنا، وإن كنا صبرنا حين الغزو على ما أصابنا فلنشكر الله تعالى على نعمة عودة الأرض لنا، ولنستعن بنعمته على طاعته جل وعلا، ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:7]، فاللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك