خطبة وَأَنتَ اليَومَ أَوعَظُ مِنكَ حَيّا

     الحمد لله الذي خلق فسوى وقدر فهدى، وأسعد وأشقى، وأضل بحكمته وهدى، ومنع وأعطى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له العليّ الأعلى، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله النبي المصطفى، والرسول المجتبى، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى.

     أما بعد، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:102].

     عباد الله: توفي يوم الاثنين الماضي فضيلة الشيخ/ أحمد القطان رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه الفردوس الأعلى آمين، واليوم لن نتحدث عن سيرته العطرة ولا عن مآثره المباركة، بل سنقف مع ما يستفيده المسلم من موت الدعاة إلى الله تعالى، الذين نحسبهم والله حسيبهم من الصالحين المخلصين لله عز وجل، وكما قال القائل:

وَكانَت في حَياتِكَ لي عِظاتٌ    ***        وَأَنتَ اليَومَ أَوعَظُ مِنكَ حَيّا

     إن مما يستفيده المسلم يا عباد الله من موت الدعاة إلى الله تعالى؛ أن يعلم ويتأكد من حقيقة ثابتة وهي: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران:185]، وقوله عز وجل: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ. وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:26- 27].

     جميع أهل الأرض سيذهبون ويموتون أجمعون، وكذلك أهل السماوات إلا من شاء الله، ولا يبقى أحد سوى وجهه الكريم؛ فإن الرب – تعالى وتقدس – لا يموت، بل هو الحي الذي لا يموت أبدًا. [تفسير القرآن العظيم].

     والدنيا يا عباد الله هينة على الله «لو كانت الدُّنيا تعدِلُ عند اللهِ جناحَ بعوضةٍ ما سقَى كافرًا منها شرْبةَ ماءٍ» [السلسلة الصحيحة (943)]، كما ورد عنه صلى الله عليه وسلم، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أيضًا قال: «واللَّهِ ما الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلَّا مِثْلُ ما يَجْعَلُ أحَدُكُمْ إصْبَعَهُ هذِه في اليَمِّ، فَلْيَنْظُرْ بمَ تَرْجِعُ؟» [رواه مسلم (2858)].

     فالدنيا فانية يا عباد الله، والحياة الأبدية هي حياة الآخرة، ومما يستفيده المسلم يا عباد الله من موت الدعاة إلى الله جل وعلا: أن الموتى نوعان كما قال صلى الله عليه وسلم: «مُسْتَرِيحٌ ومُسْتَرَاحٌ منه» قالوا: يا رَسولَ اللَّهِ، ما المسْتَرِيحُ والمسْتَرَاحُ منه؟ قالَ: «العَبْدُ المُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِن نَصَبِ الدُّنْيَا وأَذَاهَا إلى رَحْمَةِ اللَّهِ، والعَبْدُ الفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ منه العِبَادُ والبِلَادُ، والشَّجَرُ والدَّوَابُّ» [رواه البخاري (6512)].

     فكم رأينا من فجرة لم يُذكروا بخير واستراح منهم الناس، وكم رأينا من مُحبين لهذا الدين حريصين عليه حضر خلقٌ كثيرٌ لدفنهم؟! وذُكروا بخير.

فَاِرفَع لِنَفسِكَ بَعدَ مَوتِكَ ذِكرَها  ***        فَالذِكرُ لِلإِنسانِ عُمرٌ ثاني

     وقبول الناس للعبد ومحبتهم له وإقبالهم عليه علامة على محبة الله تعالى له، قال صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أحَبَّ اللَّهُ العَبْدَ نَادَى جِبْرِيلَ: إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فأحْبِبْهُ، فيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، فيُنَادِي جِبْرِيلُ في أهْلِ السَّمَاءِ: إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فأحِبُّوهُ، فيُحِبُّهُ أهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ له القَبُولُ في الأرْضِ» [متفق عليه واللفظ للبخاري].

     ومما يستفيده المسلم يا عباد الله من موت الدعاة إلى الله جل وعلا: أن كل إنسان سيلاقي ربه بعمله، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر والعياذ بالله تعالى، ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ. وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة:7- 8].

     ومما يستفيده المسلم يا عباد الله من موت الدعاة إلى الله جل وعلا: مجاهدتهم اليهود وأعداء الدين فهم قد ماتوا على هذا الجهاد مستشعرين قوله صلى الله عليه وسلم: «جاهِدوا المشرِكينَ بأموالِكُم، وأنفسِكم، وألسنتِكُم» [رواه أبوداود (2504)، وأحمد (12268) واللفظ لهما، والنسائي (3096) باختلاف يسير].

فماذا فعلت يا عبد الله لمجاهدة اليهود وأعداء الدين؟

هل نشرت شيئا من دين الله عز وجل بين أهلك وأقربائك وأصحابك وفي عملك؟

من ترك دينه حتى سيطر عليه عدوه فلا يلومن إلا نفسه.

ومن ترك دينه لهوى متبع فلا يلومن إلا نفسه.

ومن باع دينه بدنيا غيره فلا يلومن إلا نفسه.

عجبتُ لمبتاع الضلالــة بالهدى *** وللمشتري دنياه بالدين أعجبُ

وأعجبُ من هذين من باع دينه *** بدنيا سواهُ فهو من ذَيْنِ أخيبُ

     اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لنا دِينِنا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي، وَأَصْلِحْ لنا دُنْيَانا الَّتِي فِيهَا مَعَاشنا، وَأَصْلِحْ لنا آخِرَتِنا الَّتِي فِيهَا مَعَادنا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لنا فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لنا مِنْ كُلِّ شَرٍّ يارب العالمين.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.

الخطبة الثانية:

     الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه سبحانه، وأشهد أنَّ نبينا محمداً عبد الله ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلَّى اللهُ وسلَّم وباركَ عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه.

    كان الشيخ أحمد القطان رحمه الله حريصًا على الجيل المسلم ودائمًا ما يكرر أبياته التي صاغها في ذلك:

بالدين يسمو المرءُ للعليـــــــــاء *** وينال ما يرجو من النعماء

الدين نور والضلالة ظلمـــــــــة  *** شتان بين النور والظلمــاء

نُعطي الشبابَ الأتقياءَ نُفوسنـــا *** وعقولَنا في عزةٍ وسخــــاء

حتى يَشبّـــــــــوا صالحين أعزةً  *** كُرماءَ لا يَهِنُونَ عن كرماءِ

     فيا أيها الجيل المسلم الصاعد عليكم بدين الله عز وجل فتمسكوا به وعضوا عليه بالنواجذ، ويا أيها الآباء والأمهات عليكم بتربية أولادكم على دين الله تعالى وحافظوا عليهم من كيد الأعداء وموجات الإلحاد، والمثلية، والانحلال والفجور، روى البخاري ومسلم رحمهما الله عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «ما مِن مَوْلُودٍ إلَّا يُولَدُ علَى الفِطْرَةِ، فأبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أوْ يُنَصِّرَانِهِ، أوْ يُمَجِّسانه».

وَيَنشَأُ ناشِئُ الفِتيــــــــانِ مِنّا *** عَلى ما كـــــــــــانَ عَوَّدَهُ أَبــــــــوهُ

وَما دانَ الفَتى بِحِجىً وَلَكِن *** يُعَلِّمُهُ التَدَيُّنَ أَقرَبـــــــــــــــــــــــــوهُ

 [أبوالعلاء المعري-قد اختل الأنام بغير شك].

    واحرصوا يا رعاكم الله على معرفة أمورهم ومع من يسيرون، فالصاحب ساحب، وكما قال صلى الله عليه وسلم: «الرجلُ على دِينِ خليلِه، فلينظر أحدُكم من يُخالِلْ» [السلسلة الصحيحة (927)].

     علموهم التوحيد، والصلاة، وقراءة القرآن، وادع لهم ولاتدعوا عليهم، قال صلى الله عليه وسلم: «لا تَدْعُوا علَى أَنْفُسِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا علَى أَوْلَادِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا علَى أَمْوَالِكُمْ، لا تُوَافِقُوا مِنَ اللهِ سَاعَةً يُسْأَلُ فِيهَا عَطَاءٌ، فَيَسْتَجِيبُ لَكُم» [رواه مسلم (3009)].

     رسخوا في نفوسهم حُبَّ الدين والعملَ له، وتذكروا دعوة عباد الرحمن التي ذكرها الله في كتابه: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان:74]، فهذا الدعاء كما أنه دعاء لأزواجهم وذرياتهم في صلاحهم؛ فإنه دعاء لأنفسهم، لأن نفعه يعود عليهم، ولهذا جعلوا ذلك هبة لهم فقالوا: ﴿هَبْ لَنَا﴾، بل دعاؤهم يعود إلى نفع عموم المسلمين لأن صلاح الأزواج والذرية سبب لصلاح كثير ممن يتعلق بهم وينتفع بهم. [تيسير الكريم الرحمن بتصرف].

واعلموا أن الله تعالى قال قولا كريمًا تنبيهًا لكم وتعليمًا وتشريفًا لقدر نبيه وتعظيمًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾…