أخرج مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله الذي تدعونه المحرم وأفضل الصلاة بعد الفريضة قيام الليل».
هذا الحديث صريح في أن أفضل ما تُطوع به من الصيام بعد رمضان صوم شهر الله المحرم، وكذلك أفضل ما تطوع به من الصلاة بعد الفريضة قيام الليل، وشهر الله المحرم سمي بذلك لكونه شهرًا محرمًا وتأكيدًا لتحريمه. [الإسلام سؤال وجواب (204142)].
قال صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الزَّمانَ قَدِ اسْتَدارَ كَهَيْئَتِهِ يَومَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَواتِ والأرْضَ، السَّنَةُ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلاثٌ مُتَوالِياتٌ: ذُو القَعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ، والمُحَرَّمُ، ورَجَبُ، مُضَرَ الذي بيْنَ جُمادَى، وشَعْبانَ». [متفق عليه].
وإضافة شهر المحرم لله تعالى إنما هي إضافة تشريف، ومن صام شهر ذي الحجة سِوى الأيام المحرم صيامها منه، وصام المحرم فقد ختم السنة بالطاعة وافتتحها بالطاعة؛ فيرجى أن تكتب له سنته كلها طاعة، فإن من كان أول عمله طاعة وآخره طاعة فهو في حكم من استغرق بالطاعة ما بين العملين.
قال ابن المبارك: من ختم نهاره بذكر كُتب نهاره كله ذكرًا. يشير إلى قوله صلى الله عليه وسلم: «إنَّما الأعْمَالُ بالخَوَاتِيمِ» [رواه البخاري (6607)].
وينبغي أن يحرص المسلم يا عباد الله على افتتاح العام بتوبة نصوح لله جل وعلا تمحو ما سلف من الذنوب السالفة في الأيام الخالية.
قطعت شهور العـــــــام لهوا وغفلة *** ولم تحترم فيما أتيت المحرمـــــــــــا
فلا رجبا وافيت فيه بحقــــــــــــــه *** ولا صمت شهر الصوم صوما متمما
ولا في ليالي عشر ذي الحجـة الذي *** مضى كنت قواما ولا كنت محرمـا
فهل لك أن تمحو الذنـــوب بعبرة *** وتبكي عليها حسرة وتندمـــــــــــــــــــا
وتستقبل العام الجديد بتوبــــــــــة *** لعلك أن تمحو بها ما تقدمــــــــــــــــــا
ولنحرض على الصيام في هذا الشهر يا عباد الله، والصيام سر بين العبد وبين ربه ولهذا يقول الله تبارك وتعالى: «يقولُ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: الصَّوْمُ لي وأنا أجْزِي به، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وأَكْلَهُ وشُرْبَهُ مِن أجْلِي» [رواه البخاري].
وللصائمين جزاء عظيم عند الله جل وعلا، ففي الجنة باب يقال له: الريان لا يدخل منه إلا الصائمون فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه غيرهم: قال صلى الله عليه وسلم: «إنَّ في الجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ له: الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ منه الصَّائِمُونَ يَومَ القِيَامَةِ، لا يَدْخُلُ منه أحَدٌ غَيْرُهُمْ، يُقَالُ: أيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَقُومُونَ، لا يَدْخُلُ منه أحَدٌ غَيْرُهُمْ، فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ منه أحَدٌ» [رواه البخاري (1896)].
والصيام جنة للعبد أي: وِقايةٌ وحِصنٌ حَصينٌ مِن المعاصي والآثامِ في الدُّنيا، ومِن النَّارِ في الآخِرةِ، قالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «قالَ اللَّهُ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ له، إلَّا الصِّيَامَ؛ فإنَّه لي، وأَنَا أجْزِي به، والصِّيَامُ جُنَّةٌ» [رواه البخاري (1904)، ومسلم (1151) واللفظ له].
والصوم لايعدله شيء فعن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ مُرني بعملٍ قالَ: «عليكَ بالصَّومِ فإنَّهُ لا عدلَ لَه» قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ مُرني بعملٍ قالَ: «عليكَ بالصَّومِ فإنَّهُ لا عدلَ لَه» [صحيح النسائي (2222)].
و«لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إذَا أفْطَرَ فَرِحَ، وإذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بصَوْمِهِ» [رواه البخاري (1904)، ومسلم (1151) واللفظ له].
قال الله تعالى: ﴿وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:35] وقال تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:24]، قال مجاهد وغيره: نزلت في الصوم: من ترك لله طعامه وشرابه وشهواته عوضه الله خيرًا من ذلك طعامًا وشرابًا لا ينفذ وأزواجًا لا تموت.
وقال صلى الله عليه وسلم: «لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِن رِيحِ المِسْكِ» [رواه البخاري ومسلم واللفظ له].
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه…
الخطبة الثانية:
لنستمع إلى هذه الحكمة العجيبة:قال بعضهم: إنما هو غداء وعشاء، فإن أخرت غداءك إلى عشائك أمسيت وقد كُتبت في ديوان الصائمين.
ولنحرص يا عباد الله على إخفاء العبادة، فإنه لما كان الصيام سرًا بين العبد وبين ربه اجتهد المخلصون في إخفائه بكل طريق حتى لا يطلع عليه أحد، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: إذا أصبح أحدكم صائما فليترجل – يعني يُسرح شعره – ويَدْهنه، وإذا تصدق بصدقة عن يمينه فليخفها عن شماله، وإذا صلى تطوعًا فليُصل داخل بيته.
وصام بعض السلف أربعين سنة لا يعلم به أحد، كان له دكان، فكان كل يوم يأخذ من بيته رغيفين ويخرج إلى دكانه فيتصدق بهما في طريقه، فيظن أهله أنه يأكلهما في السوق، ويظن أهل السوق أنه أكل في بيته قبل أن يجيء.
قال الإمام ابن رجب رحمه الله: ما أسر أحد سريرة إلا ألبسه الله رداءها علانية.
[المادة مختصرة من كتاب لطائف لابن رجب ص (35) بتصرف]