ها نحن نسمع بين يوم وآخر حدوث جريمة من الجرائم الفظيعة التي يأسى لها القلب ويندى لها الجبين، ولو نظر المتفحص إلى أسباب انتشار هذه الجرائم في مجتمعنا، لوجد إن من أسباب انتشارها التهاون في حرمة الدماء، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء:93]؛ قال الإمام ابن كثير رحمه الله: هذا تهديدٌ شديدٌ، ووعيدٌ أكيدٌ لمن تعاطى هذا الذنب العظيم، الذي هو مقرونٌ بالشرك بالله في غير ما آية في كتاب الله. [تفسير القرآن العظيم].
وقال سبحانه: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة:32]؛ قال مجاهدٌ رحمه الله: من قتل نفسًا محرَّمةً يَصلَى النَّار بقتلها، كما يصلاها لو قتل الناسَ جميعًا، ومن أحياها؛ أي: من سلم مِن قتلِها، فكأنما سلم من قتل الناس جميعًا. [تفسير البغوي].
إن اجتناب الدماء المحرَّمة يا عباد الله هو من صفات عباد الرحمن التي تحدث سبحانه عنهم بقوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان:68-70].
روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اجتنبوا السبع الموبقات» (أي المهلكات)، قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: «الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات». [البخاري (2766)، ومسلم (89)].
وروى البخاري عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دمًا حرامًا» أي: لا يزال مطمئن النفس في سعة من رحمة الله، طالما أنه لم يقتل نفسًا بغير حق.
عافانا الله وإياكم من ذلك، عباد الله: ومن أسباب انتشار هذه الجرائم كذلك؛ انتشار المسكرات والمخدرات، فكلّ مسكر حرام، كيفما كان لونه، وكيفما كان نوعه، وكيفما كان شكله، دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع، ولا خلاف في ذلك بين العلماء، قال الله تعالى: ﴿يأيهَا الذِينَ آمَنُوا إنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ لعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَة وَالبَغْضَاءَ فِي الخَمْرِ وَالمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾. [المائدة:91].
والشريعة الغرّاء التي أنزلها الله لكل زمان ومكان سَدّتْ الطريقَ على أولئك، فعرّفتِ الخمرَ بتعربف جامع يُحَرّمُ جميعَ أنواع المسكرات، طبيعية كانت أو صناعية، قليلة كانت أم كثيرة، ففي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام».
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما أسكر كثيرُه فقليله حَرام». [رواه أحمد وأبو داود والترمذي].
والمخدرات والمسكرات من الخبائث التي حرّمها الله تعالى ونهى عنها، فقال عز وجل في وصف النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾. [الأعراف:157].
وقاعدة التحريم في الكتاب والسّنة، أن ما ثبت ضررُه فهو حرام، والمخدرات والمسكرات تشتمل على ضرر في الدين والعقل والخلق والطبع والجسم، وضرَرُها على الفرد والأسرة والمجتمع واضح لا نزاع فيه ولا مِراء.
وإن فراغ الشباب وعدم انشغالهم بما ينفعهم دنيا ولا آخرة هو من أهم أسباب الدخول في عالم المسكرات والمخدرات، ظنا منهم أنها المتعة الحقيقية، عافانا الله وإياكم من كل حرام.
إن الشباب والفراغ والجدة مفسدة للمرء أي مفسده
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه…
الخطبة الثانية:
إن من أسباب انتشار هذه الجرائم في مجتمعنا؛ الغضب، وهو آفة أصيب بها البعض، عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أوصني، قال: «لا تغضبْ»، فردّد مرارا قال: «لا تغضبْ». [رواه البخاري]، وفي رواية: قال الرجل: ففكرت حين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال فإذا الغضب يجمع الشر كله. [رواه الإمام أحمد].
والقوة الحقيقية يا عباد الله هي في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس الشديدُ بالصُّرَعَة إنما الشديدُ الذي يملكُ نفسَهُ عندَ الغضَب» [رواه الشيخان].
وقال جل وعلا مادحًا من يكظم غيظه ويصفح عن المسيء إليه: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى:37]، أي: قد تخلقوا بمكارم الأخلاق ومحاسن الشيم، فصار الحلم لهم سجية، وحُسن الخلق لهم طبيعة، حتى إذا أغضبهم أحد بمقاله أو فعاله، كظموا ذلك الغضب فلم يُنفذوه، بل غفروه، ولم يقابلوا المسيء إلا بالإحسان والعفو والصفح، فترتب على هذا العفو والصفح، من المصالح ودفع المفاسد في أنفسهم وغيرهم شيء كثير، كما قال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [تيسير الكريم الرحمن].
وأخيرًا عباد الله لنحمد الله تعالى عند رؤية مبتلى، فقد حثنا صلى الله عليه وسلم على ذلك بقوله: «مَن رَأَى مُبتَلًى فقال: الحمدُ للهِ الذي عافَانِي مِمَّا ابْتلاكَ به، وفَضَّلَنِي على كَثيرٍ مِمَّنْ خلق تَفضِيلًا، لَمْ يُصِبْهُ ذلكَ البلاءُ». [السلسلة الصحيحة2737].
اللهم حببْ إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكرّهْ إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين.
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، واجعلنا من عبادك الصالحين. يا رب العالمين.
اللهم أصلح أحوال المسلمين، اللهم اجمع شملهم، ووحد صفوفهم، وفرج همومهم، ونفس كروبهم، وانصرهم على أعدائهم يا قوي ياعزيز.
اللهم اغفر لنا وتب علينا يارحمن ياتواب ياكريم، اللهم اسقنا الغيث ولاتجعلنا من القانطين…اسقنا غيثا مغيثا…سقيا رحمة لاسقيا بلاء…تحيي بها البلاد والعباد…