خطبة واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات

إِنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ ونَسْتَغْفِرُهُ، ونَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا ومِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، ومَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، )يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ([آل عمران:102].

     أَمَّا بَعْدُ: فيا عباد الله: إن من الآداب العامة التي ينبغي أن يعتني بها المسلم عند دعائه؛ أن يدعو للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، فكل مسلم يحب من إخوانه أن يدعوا له، وهذا من هدي الأنبياء والمرسلين عليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم، قال الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد:19]، وقال تعالى على لسان نوح عليه السلام: ﴿رَّبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾ [نوح:28]، وقال تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم:41].

     وأحوال المسلمين يا عباد الله تتفاوت، فهناك المريض الذي أتعبته الآلام والأوجاع، وقد علمنا صلى الله عليه وسلم كيف ندعو له فقال: «ما مِن عبْدٍ مُسلمٍ يعودُ مريضًا لم يحضُرْ أجَلُه، فيقول سبْعَ مرَّاتٍ: أسأَلُ اللهَ العظيمَ ربَّ العرشِ العظيمِ أنْ يشفِيَك، إلَّا عُوفِيَ» [رواه الترمذي وقال: حسن غريب].

     وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى المريض يدعو له ويقول: «اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ أذْهِبِ البَاسَ، اشْفِهِ وأَنْتَ الشَّافِي، لا شِفَاءَ إلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لا يُغَادِرُ سَقَمًا» [رواه البخاري].

     وهناك الميت الذي هو محتجز في قبره، مرتهن بأعماله وما قدمت يداه، وقد أوصانا الله تعالى بالدعاء لإخواننا هؤلاء فقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحشر:10]، وهذا دعاء شامل لجميع المؤمنين، يبين أهمية هذه الرابطة الإيمانية وهي الأخوة في الله عز وجل، والدعاء لبعضهم البعض، وينفي الغل عن القلب الذي إذا ذهب حلت محله المحبة بين المؤمنين.

     وهناك يا عباد الله الفقراء من المسلمين الذين لا يجدون مسكنا يأويهم، ولا طعاما يسد جوعهم، ولا لباسا يسترهم، بل منهم من أهلكته المجاعة والقحط والعياذ بالله تعالى.

     ومن المسلمين من ابتلي بالفتن والحروب المهلكة وتسلط عليه عدوه، وأريقت دماؤهم ورُمّلت نساؤهم ويتم أطفالهم ونهبت أموالهم، وهذا ما يسميه العلماء بقنوت النوازل التي تنزل على المسلمين، فيدعون للمسلمين بالنصر، ولعدوهم بالهلاك، كان يقنت صلى الله عليه وسلم فيقول: «اللَّهُمَّ أنْجِ عَيَّاشَ بنَ أبِي رَبِيعَةَ، اللَّهُمَّ أنْجِ الوَلِيدَ بنَ الوَلِيدِ، اللَّهُمَّ أنْجِ سَلَمَةَ بنَ هِشَامٍ، اللَّهُمَّ أنْجِ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ علَى مُضَرَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا عليهم سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ» [رواه البخاري ومسلم].

     كل هذا يؤكد الرابطة الإيمانية التي تجمع المسلمين، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:10]، ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة:71]، وقال صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ المُؤْمِنِينَ في تَوادِّهِمْ، وتَراحُمِهِمْ، وتَعاطُفِهِمْ مَثَلُ الجَسَدِ إذا اشْتَكَى منه عُضْوٌ تَداعَى له سائِرُ الجَسَدِ بالسَّهَرِ والْحُمَّى» [رواه مسلم]، وقال: «الْمُسْلِمُونَ كَرَجُلٍ واحِدٍ، إنِ اشْتَكَى عَيْنُهُ، اشْتَكَى كُلُّهُ، وإنِ اشْتَكَى رَأْسُهُ، اشْتَكَى كُلُّهُ» [رواه مسلم]، فلا بد من مراعاة هذا الحق يا عباد الله… أقول قولي…

الخطبة الثانية:

     الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد، فاتقوا الله عباد الله واعلموا بأن هناك من الأجور المتحصلة من دعائك لإخوانك المسلمين ما الله به عليم، قال صلى الله عليه وسلم: «مَنِ استغفَرَ للمؤمنينَ وللمؤمناتِ، كتَبَ اللهُ لَهُ بِكُلِّ مؤمِنٍ ومؤمنةٍ حسنةً» [رواه الطبراني في الكبير بإسناد حسن].

     وقال عليه الصلاة والسلام: «ما مِن عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَدْعُو لأَخِيهِ بظَهْرِ الغَيْبِ، إلَّا قالَ المَلَكُ: وَلَكَ بمِثْلٍ» [رواه مسلم].

     وقال: «دَعْوَةُ المَرْءِ المُسْلِمِ لأَخِيهِ بظَهْرِ الغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ، عِنْدَ رَأْسِهِ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ كُلَّما دَعَا لأَخِيهِ بخَيْرٍ، قالَ المَلَكُ المُوَكَّلُ بهِ: آمِينَ وَلَكَ بمِثْلٍ» [رواه مسلم].

اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، اللهم اغفر لنا أجمعين…