إِنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ ونَسْتَغْفِرُهُ، ونَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا ومِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، ومَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه )يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ([آل عمران:102].
أَمَّا بَعْدُ: فيا عباد الله: لَقَدْ أَكْرَمَ اللهُ تَعَالَى المؤْمِنَ وَحَرَّمَ الاعْتِدَاءَ عَلَيهِ بِجَمِيعِ أَنْواعِ الاعْتِدَاءِ فِي دِينِهِ وَنَفْسِهِ وَعِرْضِهِ وَمَالِهِ، فَحُرْمَةُ المسْلِمِ عَظِيمَةٌ، وَمَكانَتُهُ عِنْدَ اللهِ كَبيرَةٌ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «المُسْلِمُ أخُو المُسْلِمِ، لا يَظْلِمُهُ ولا يَخْذُلُهُ، ولا يَحْقِرُهُ التَّقْوَى هاهُنا ويُشِيرُ إلى صَدْرِهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ بحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أنْ يَحْقِرَ أخاهُ المُسْلِمَ، كُلُّ المُسْلِمِ علَى المُسْلِمِ حَرامٌ، دَمُهُ، ومالُهُ، وعِرْضُهُ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]، وَأَكَّدَ هَذِهِ الحُرْمَةَ صلى الله عليه وسلم فِي يَومٍ وَمَكانٍ عَظِيمَينِ، فَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ t، قَالَ: خَطَبَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ النَّحْرِ فَقَالَ: «أَتَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، فَقَالَ: أَلَيْسَ بِيَوْمِ النَّحْرِ؟ قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: فَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟ قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: أَلَيْسَ بِذِي الْحِجَّةِ؟ قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: فَأَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟ قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: «أَلَيْسَ بِالْبَلَدِ الْحَرَامِ؟» قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ، عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
أَيُّهَا المُسلِمونَ: إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الذُّنُوبِ وَالخَطَايَا سَفْكَ الدَّمِ المعْصُومِ الحَرَامِ، وَقَدْ جَاءَتِ الأَدِلَّةُ الكَثِيرةُ مِنَ القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ عَلَى حُرْمَةِ ذَلِكَ وَخُطُورَتِهِ، قَالَ تَعَالَى: )قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ( [الأنعام:151]، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى فِي آخِرِ الآيَةِ: )وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ( [الأنعام:151]، بَلْ تَوعَّدَ اللهُ تَعالَى القَاتِلَ المتَعَمِّدَ لِلْمُؤمِنِينَ بِالوَعِيدِ الشَّدِيدِ، قَالَ تَعالَى: )وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا( [النساء:93]، وَذَكَرَ أَنَّ القَتْلَ مِنْ أَسْبابِ مُضَاعَفَةِ العَذَابِ لَهُ يَومَ القِيامَةِ، وَقَرَنَهُ بِالشِّرْكِ بِاللهِ وَالزِّنَا، إِلَّا أَنْ يَتُوبَ، قَالَ تَعَالَى: )وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا( [الفرقان:68-70]، وَهُوَ مِنَ الموبِقَاتِ العِظَامِ الَّتِي يَجِبُ عَلَى المسْلِمِ البُعْدُ عَنْهَا وَالحَذَرُ مِنْها، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ، وَذَكَرَ مِنْهَا: قَتْلَ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ» [مُتَّفقٌ عَلَيهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ t].
عِبَادَ اللهِ: لَقَدْ أَخْبَرَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ كَثْرَةِ القَتْلِ وَانْتِشارِهِ وَأَنَّهُ مِنْ عَلَامَاتِ السَّاعَةِ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ الْهَرْجُ، قَالُوا: وَمَا الْهَرْجُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الْقَتْلُ الْقَتْلُ» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَاللَّفْظُ لَهُ]، وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِهِ: سُرْعَةَ الغَضَبِ وَخُصُوصًا عِنْدمَا يَعْرِضُ لِلمُسْلِمِ بَعْضُ الجُهَلاءِ يَفْعلُونَ أَوْ يَقُولُونَ الحَمَاقَاتِ، وَمِثْلُ هَؤُلاءِ يُعَامَلونَ بِالإِعْرَاضِ، ]وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا[ [الفرقان:63]، فَالشَّدِيدُ مَنْ يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ.
وَمِنْ أَسْبابِ انْتِشارِهِ؛ وُقُوعُ العَبْدِ فِي بَلَايا المخَدِّرَاتِ وَذَهابُ العَقْلِ بِالمسْكِرَاتِ، فَيَصِلُ بِهِ الأَمْرُ إِلَى قَتْلِ أَقْرَبِ النَّاسِ إِلَيهِ، فَهُنَا يَجِبُ عَلَى الإِنْسَانِ أَنْ يَبْتَعِدَ عَنْ رِفْقَةِ السُّوءِ، وَيَحْذَرَ مِنَ التَّسَاهُلِ مَعَهُمْ لِئَلَّا يُوقِعُوهُ فِي شِبَاكِ المخَدِّراتِ، وَيُورِدُوهُ المهَالِكَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَنْ يَزَالَ الْمُؤْمِنُ في فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ، مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا» [رَوَاهُ البُخَارِيُّ].
أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ…
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاهُ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وبعد فاتقوا الله عباد الله واعلموا أَنَّ الاعْتِدَاءَ عَلَى النَّاسِ مُحَرَّمٌ، وكَذَلِكَ حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ قَتْلَ المسْلِمِ نَفْسَهُ بِيَدِهِ، وَهُوَ الانْتِحارُ، وَجَعَلَ جَزَاءَ ذَلِكَ العَذَابَ الأَلِيمَ، مَهْمَا كَانَتِ الظُّرُوفُ، قَالَ تَعالَى: ]وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا[ [النساء:29- 30]. وَعَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ فِي الدُّنْيَا عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ].
وإِنَّ مِنْ بَلَايَا العَصْرِ هَوَسَ بَعْضِ النَّاسِ بِتَصْويرِ الحَوَادِثِ وَالجَرائِمِ، وَالحِرْصَ عَلَى نَشْرِهَا فِي وَسَائِلِ وَقَنَوَاتِ التَّواصُلِ، بَلْ قَدْ يُقَدَّمُ ذَلِكَ عَلَى مُسَاعَدَةِ المحتاجِ، وَهُوَ بِهَذا الفِعْلِ يَكُونُ سَبَبًا فِي زِيادَةِ مُصِيبَةِ أَهْلِهِ، حِينَ يُشاهِدُونَ مَا تَمَّ تَصْويرُهُ، وَهُوَ سَببٌ لِدُعاءِ أَهْلِهِ عَلَى المصَوِّرينَ، فَلا حُرْمَةَ المَيْتِ قَدَّرُوا، وَلَا أَهْلَهُ رَاعَوا وَاحْتَرَمُوا.