خطبة من عمرها فهو مؤمن

     قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة:18].

     المصدِّق بوحدانية الله، المخلص له العبادة، الذي يصدق ببعث الله الموتى أحياءً من قبورهم يوم القيامة، ويقيم الصلاة المكتوبة بحدودها، ويؤدي الزكاة الواجبة عليه في ماله إلى من أوجبها الله له، ولم يرهب عقوبة شيء على معصيته إياه، سوى الله، فخليق بأولئك الذين هذه صفتهم، أن يكونوا عند الله ممن قد هداه الله للحق وإصابة الصواب. [قال الطبري رحمه الله نحوه في تفسيره للآية].

     قال الشيخ السعدي رحمه الله في تفسيره لهذه الآية: فوصفهم بالإيمان النافع، وبالقيام بالأعمال الصالحة التي أُمُّها الصلاة والزكاة، وبخشية اللّه التي هي أصل كل خير، فهؤلاء عمار المساجد على الحقيقة وأهلها الذين هم أهلها.

    ﴿فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ و(عسى) من اللّه واجبة. وأما من لم يؤمن باللّه ولا باليوم الآخر، ولا عنده خشية للّه، فهذا ليس من عمار مساجد اللّه، ولا من أهلها الذين هم أهلها، وإن زعم ذلك وادعاه. انتهى.

     عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان؛ قال الله تعالى ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾». [رواه أحمد والترمذي].

ترفرفُ الروحُ جذلى كلما دخـلـتْ              رحــابَـه نسيتْ في طينه الْجَسدا

فكـلُّ شـبـر بـه ثغـرٌ لـه شَفةٌ                     تُرددُ الذكر لا تُحـصي لــه عددا

وذاك يتلــو كتـابَ الله مبـتهـلاً                   يَمدُّ في وجــلٍ نـحو السماء يدا

به تسـاوى الـورى عِـزّاً ومنـزلةً                   لأنـهم يعبـدون الـواحدَ الأحـدا

الله أكـبـرُ دوّتْ مــن مـآذنـه                     تَشُعُ فينا سلامًا بل وشـمسَ هـدى

الله أكـبـر دوتْ فـي مــسامعنا                   وكلُّ صوت له في القلـب ألفُ صدى

الله أكبــر مــلءَ الأرض نلفِظها                 لكنْ سناها إلـى رب السّـمـا صعدا

من علَّقَ القلبَ في بيـت الإله ولم              يطلـب سـوى مـن كريْمٍ مُنعمٍ مَددا

فذاك مِمَّنْ يُظـِلُّ اللهُ حـيـن نرى                 لا ظــلَّ إلا لـه سبـحــانهُ أبـدا

     قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ¨رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور:36-37].

     قال الشيخ السعدي رحمه الله: فيدخل في رفعها، بناؤها، وكنسها، وتنظيفها من النجاسة والأذى، وصونها من المجانين والصبيان الذين لا يتحرزون عن النجاسة، وعن الكافر، وأن تصان عن اللغو فيها، ورفع الأصوات بغير ذكر الله. [تيسير الكريم الرحمن].

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَن بَنَى مَسْجِدًا – قالَ بُكَيْرٌ: حَسِبْتُ أنَّه قالَ: يَبْتَغِي به وجْهَ اللَّهِبَنَى اللَّهُ له مِثْلَهُ في الجَنَّةِ» [رواه البخاري (450)].

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَن بَنَى لله مَسْجِدًا ولو قَدْرَ مَفْحَصِ قَطَاةٍ بَنَى اللَّهُ له بيتًا في الجَنَّةِ» [رواه البزار واللفظ له والطبراني في الصغير وانظر صحيح الترغيب (8/109)].

     وحمل أكثر العلماء ذلك على المبالغة؛ لأن المكان الذي تفحص القطاة عنه؛ لتضع فيه بيضها، وترقد عليه لا يكفي للصلاة فيه. [قاله الحافظ ابن حجر في فتح الباري (1/545)].

أقول قولي هذا…

الخطبة الثانية:

     ختم الله عز وجل الآية بقوله: ﴿فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ قال العلماء: اتفق المفسرون على أن كلمة عسى من الله واجب: لأنه لفظ يُفيد الإطماع، ومن أطمع إنسانًا في شيء ثم حرمه كان عارًا، والله تعالى أكرم من أن يُطمع واحدًا في شيء ثم لا يعطيه. [اللباب في علوم الكتاب لعمر بن علي الدمشقي الحنبلي (12/363) سورة الإسراء – فصل في معنى (عسى) من الله].

     كقوله لنبيه: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: 79]، يقول: إن ربك سيبعثك مقامًا محمودًا، وهي الشفاعة. [قاله الطبري بتصرف مني في التقديم والتأخير].

     وقوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة:112]ـ معناه سيتوب الله عليهم، وقوله تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الممتحنة:7]، يقول تعالى ذكره: عسى الله أيها المؤمنون أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم من أعدائي من مشركي قريش مودة، ففعل الله ذلك بهم، بأن أسلم كثير منهم فصاروا لهم أولياء وأحزابًا. [الطبري بتصرف].