خطبة من أي ذلك تعجبون؟!

     رأيت مقطعًا لامرأة مسنة من أهل غزة يقال لها أن ابنك قد استشهد فردت قائلة: لماذا أحزن؟ كان يتمنى الاستشهاد منذ زمن ويقول: كل أصحابي استشهدوا وأنا لم أستشهد! فتذكرت حينها حديث الصحابي طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه: أنَّ رَجُلَينِ قَدِما على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وكان إسلامُهما جَميعًا، وكان أحَدُهما أشَدَّ اجتِهادًا مِن صاحِبِه، فغَزا المجتَهِدُ منهما، فاستُشهِدَ، ثم مَكَثَ الآخَرُ بَعدَه سَنةً، ثم تُوُفِّيَ، قال طَلحةُ: فرأيتُ فيما يَرى النَّائِمُ كأنِّي عِندَ بابِ الجَنَّةِ إذا أنا بهما وقد خرَجَ خارِجٌ مِنَ الجَنَّةِ، فأذِنَ للذي تُوُفِّيَ الآخِرَ منهما، ثم خَرَجَ فأذِنَ للذي استُشهِدَ، ثم رَجَعا إليَّ فقالا لي: ارجِعْ؛ فإنَّه لم يَأْنِ لكَ بَعدُ. فأصبَحَ طَلحةُ يُحدِّثُ به الناسَ، فعَجِبوا لذلك، فبلَغَ ذلك رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقال: «مِن أيِّ ذلك تَعجَبونَ؟» قالوا: يا رَسولَ اللهِ، هذا كان أشَدَّ اجتِهادًا، ثم استُشهِدَ في سَبيلِ اللهِ، ودخَلَ هذا الجَنَّةَ قَبلَه. فقال: «أليس قد مَكَثَ هذا بَعدَه سَنةً؟» قالوا: بلى. «وأدرَكَ رَمَضانَ فصامَه؟» قالوا: بلى. «وصلَّى كذا وكذا سَجدةً في السَّنةِ؟» قالوا: بلى. قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «فلَمَا بَينَهما أبعَدُ ما بَينَ السَّماءِ والأرضِ». [رواه أحمد وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح].

     طولُ العُمرِ مع حُسْنِ العَملِ يا عباد الله مِن أسبابِ الفلاحِ والتَّفاضُلِ بين النَّاسِ، والله سُبحانَه وتعالى يُعْطي المجتهِدَ على قَدْرِ اجتهادِه، وليس أحدٌ أفضلَ عند اللهِ مِن مُؤمنٍ يُعَمَّرُ في الإسلامِ؛ لتَسبيحِه وتَكبيرِه وتَهليلِه، فذلك فضْلُ طولِ العُمرِ وزِيادةِ العَملِ مع إحسانِه؛ لأنَّه لا يَزالُ يأتي بالحَسَنِ من الأعمالِ، وتُدَّخَرُ له، وهذا مُوافِقٌ لِمَا أخرَجَه الترمذيُّ أنَّه صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال: «خيرُ النَّاسِ مَن طال عُمرُه وحسُنَ عمَلُه».

     وفي هذا الحديث بيان واضح على أن الأسبقية في الموت ليست فضلا لأحد على أحد، فقد يؤخر الله قبض العبد لأجَلٍ بعد أصحابه زيادة في ثوابه وأجره، وقد قال تعالى: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:23].

فعلينا عباد الله أن نحرص على التزود بالطاعات مادام في العمر بقية.

تَزَوَّدْ مـن التقـوى فإنك لا تـدري *** إذا جَنَّ ليلٌ هـل تعيشُ إلى الفجرِ

فكم من فَتًى أمسى وأصبح ضاحـكًا *** وقد نُسِجَـْت أكفانُه وهو لا يدرِي

وكم من صغارٍ يُرْتَجَى طولُ عمرهم *** وقد أُدخلت أجسامُهم ظلمـةَ القبرِ

وكم من عروسٍ زينوهـا لزوجهـا *** وقد قُبضت أرواحُهـم ليلةَ القدرِ

وكم من صحيحٍ مات من غير علةٍ *** وكم من عليلٍ عاش حينًا من الدهرِ

     ولنكثر من النوافل لنجعلها سورًا منيعًا حول الفرائض أمام الشيطان، فإذا ما أراد الشيطان أن يُبعدك عن الفريضة وجد أمامه النوافل فبدأ يسعى ليُبعدك عنها وطال طريقه، فكلما أبعدك عن نافلة أتيت بغيرها فأتعبته، إلى أن ييأس منك، أما أن يأتيك ولايجد عندك إلا الفرائض فسيبدأ بها ويجعلك تتباطؤ عن الفريضة ثم تتركها والعياذ بالله.

     فبادروا بالأعمال الصالحة يا عباد الله عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جَاءَ رَجُلٌ إلى النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَقالَ: يا رَسولَ اللَّهِ، أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا؟ قالَ: «أَنْ تَصَدَّقَ وأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخْشَى الفَقْرَ، وتَأْمُلُ الغِنَى، ولَا تُمْهِلُ حتَّى إذَا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ، قُلْتَ لِفُلَانٍ كَذَا، ولِفُلَانٍ كَذَا وقدْ كانَ لِفُلَانٍ». [رواه البخاري].

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه يغفر لكم

الخطبة الثانية:

    انظروا إلى ذاك الشاب الغزاوي الذي تشوّق للشهادة في سبيل الله عز وجل وكان ينتظرها، ذكرنا بصحابة النبي صلى الله عليه وسلم الذين كانوا يحرصون على الشهادة في سبيل الله تعالى، وهذا كله دليل على محبة المنزلة العالية عند الله جل وعلا، وعدم الاهتمام بهذه الدنيا الدنية، وقد وَصَفَ عَزَّ وَجَلَّ الْمُؤْمِنِينَ الْمُتَّقِينَ بِأَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَتَسَابَقُونَ إِلَى فِعْلِهَا، قَالَ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون:61].

     وَضَرَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْوَعَ الْأَمْثِلَةِ فِي الْمُسَارَعَةِ وَالْمُبَادَرَةِ إِلَى الْخَيْرِ، وَعَدَمِ تَسْوِيفِ الْمُسَابَقَةِ إِلَيْهِ، فَعَنْ عُقْبَةَ رضي الله عنه قَالَ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ الْعَصْرَ، فَسَلَّمَ، ثُمَّ قَامَ مُسْرِعًا، فَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ إِلَى بَعْضِ حُجَرِ نِسَائِهِ، فَفَزِعَ النَّاسُ مِنْ سُرْعَتِهِ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ، فَرَأَى أَنَّهُمْ عَجِبُوا مِنْ سُرْعَتِهِ، فَقَالَ: «ذَكَرْتُ شَيْئًا مِنْ تِبْرٍ عِنْدَنَا، فَكَرِهْتُ أَنْ يَحْبِسَنِي، فَأَمَرْتُ بِقِسْمَتِهِ» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].

فَانْظُرْ إِلَى مُسَارَعَتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْإِنْفَاقِ.

اللهم اجعلنا من المتبعين للنبي صلى الله عليه وسلم يارب العالمين.