عن أم سلمة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في مرضه الذي توفي فيه: «الصلاة وما ملكت أيمانكم»، فما زال يقولها حتى يفيض بها لسانه. [رواه ابن ماجه وصححه الألباني].
الصلاة يا عباد الله، رحمةُ الله المهداة إلى عباده المؤمنين، هداهم إليها، وعرّفهم بها، وأهداها إليهم على يد رسوله الصادق الأمين – صلى الله عليه وسلم – رحمة بهم، وإكرامًا لهم، لينالوا بها شرف كرامته، والفوز بقربه لا لحاجة منه إليهم، بل منة منه وتفضلا عليهم، وتعبّدَ بها قلوبهم وجوارحهم جميعًا. [من أسرار الصلاة لابن القيم ص56].
والصلاة أول ما يُحاسب عليه العبد من حقوق الله تبارك وتعالى، فإن صلُحت فقد أفلح ونجح وإلا خاب وخسر والعياذ بالله، عن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلَاتُهُ فَإِنْ صَلُحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ» [رواه والترمذي والنسائي وأبو داود].
ولما بنيت الصلاة على خمس: القراءة، والقيام، والركوع، والسجود، والذكر، سميت باسم كل واحد من هذه الخمس: فسميت قيامًا لقوله: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ وقوله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، وسميت قراءة لقوله: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ وقوله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾، وسميت ركوعًا لقوله: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾، وسميت سجودًا لقوله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ﴾، وقوله: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب﴾، وسميت ذكرًا لقوله: ﴿فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ﴾، وقوله: ﴿لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾. [من أسرار الصلاة لابن القيم ص98 – 99 بتصرف].
وأشرف أفعال الصلاة السجود لقوله صلى الله عليه وسلم: «أَقْرَبُ ما يَكونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ، وهو ساجِدٌ، فأكْثِرُوا الدُّعاءَ» [رواه مسلم]، وأشرف أذكارها القراءة، لأن القرآن أشرف الذكر وأعلاه، وافتتحت الصلاة بالقراءة واختتمت بالسجود.
عباد الله: فرق شاسع بين من كانت الصلاة لجوارحه قيدًا ثقيلا، ولقلبه سجنًا ضيقًا حَرَجًا، ولنفسه عائقًا، وبين من كانت الصلاة لقلبه نعيمًا، ولعينه قرةً، ولجوارحه راحةً، ولنفسه بُستانًا ولذةً. [من أسرار الصلاة لابن القيم ص 125 بتصرف].
قال صلى الله عليه وسلم: «يا بلالُ أقمِ الصلاةَ، أرِحْنا بها» [صحيح أبي داود]، وقال عليه الصلاة والسلام: «وجعلَتْ قرةُ عَيني في الصلاةِ» [صحيح النسائي].
واعلموا عباد الله: أن من حَرَصَ على صلاة الفريضة والنافلة فقد حاز الأجر العظيم وضمن تغطية قصوره في الفريضة بالنافلة التي أداها بإذن الله تعالى، ومن لم يحرص على النافلة وقصر في الفريضة لم يجد له عند الحساب ما يغطي به تقصيره فيا خسارته حين لا ينفع الندم، عن أبي هريرة رضي الله عنه قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ النَّاسُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ أَعْمَالِهِمُ الصَّلَاةُ، قَالَ: يَقُولُ رَبُّنَا جَلَّ وَعَزَّ لِمَلَائِكَتِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ: انْظُرُوا فِي صَلَاةِ عَبْدِي أَتَمَّهَا أَمْ نَقَصَهَا؟ فَإِنْ كَانَتْ تَامَّةً كُتِبَتْ لَهُ تَامَّةً، وَإِنْ كَانَ انْتَقَصَ مِنْهَا شَيْئًا، قَالَ: انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ؟ فَإِنْ كَانَ لَهُ تَطَوُّعٌ، قَالَ: أَتِمُّوا لِعَبْدِي فَرِيضَتَهُ مِنْ تَطَوُّعِهِ، ثُمَّ تُؤْخَذُ الْأَعْمَالُ عَلَى ذَاكُمْ» [رواه أبو داود].
فأوصيكم يا عباد الله ونفسي المقصرة بالحرص على الصلاة وإتمامها والحذر من أن يطلبنا الله منها أو من سائر أعمالنا شيئا، نسأل الله أن يكتب لنا صلاتنا وأعمالنا كلها كاملة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه…
الخطبة الثانية:
عباد الله: إن سر الصلاة ورُوحها ولُبها هو إقبالُ العبد على الله بكليته فيها، فكما أنه لا ينبغي أن يصرف وجهه عن القبلة إلى غيرها فيها فكذلك لا ينبغي له أن يصرف قلبه عن ربه إلى غيره فيها.
فكلما كان القلب متعلقًا بالله عز وجل، مُنشغلا به كلما حاز الأجر الأكبر، وكلما انصرف عنه وانشغل بغيره نقص أجره بحسب انشغاله عنه.
عن عمار بن ياسر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنَّ الرَّجلَ لينصرِفُ، وما كُتِبَ لَه إلَّا عُشرُ صلاتِهِ تُسعُها ثُمنُها سُبعُها سُدسُها خُمسُها رُبعُها ثُلثُها، نِصفُها» [رواه أبوداود وحسنه الألباني].
ولاتكن يا عبدالله كمن قال (بشار بن برد):
وَإِنَّني في الصَلاةِ أَحضُرُهـــا *** ضُحكَةُ أَهلِ الصَلاةِ إِن شَهِدوا
أَقعُدُ في سَجدَةٍ إِذا رَكَعـــــوا *** وَأَرفَعُ الرَأسَ إِن هُمُ سَجَــــــدوا
أَسجُدُ وَالقومُ راكِعونَ مَعاً *** وَأُسرِعُ الوَثبَ إِن هُمُ قَعَـــــدوا
وَلَستُ أَدري إِذا إِمــــــــامُهُمُ *** سَلَّمَ كَم كـــــــــــــانَ ذَلِكَ العَدَدُ
فاللهم اجعلنا من المقبلين عليك الخاشعين في صلاتهم، المنيبين المستغفرين يا رب العالمين…