خطبة من أحكام الصيام

     فإن العلماء قد عرفوا الصيام بأنه: إمساك بنية عن أشياء مخصوصة من شخص مخصوص في زمن معين.

     قال تعالى على لسان مريم عليها السلام: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ [مريم:26]، عن قتادة رحمه الله قال: فإنها صامت من الطعام والشراب والكلام. [تفسير الطبري].

     ومعنى إمساك بنية: أي مبيتًا للنية من الليل وقبل طلوع الفجر لقوله صلى الله عليه وسلم: «من لم يبيِّتِ الصِّيامَ قبلَ الفَجرِ، فلا صيامَ لَهُ» [صحيح النسائي (2331)].

     وأما الأشياء المخصوصة التي يصوم عنها فهي: الأكل والشرب: لقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:187].

والجماع: لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة:187].

     والشخص المخصوص الذي يجب عليه الصيام هو: المسلم: لأن الكافر لا تقبل منه العبادة، البالغ: لقوله صلى الله عليه وسلم: «رُفِعَ القلَمُ عن ثَلاثٍ، عنِ النَّائمِ حتَّى يستَيقظَ، وعنِ الصَّغيرِ حتَّى يَكْبرَ، وعنِ المَجنونِ حتَّى يعقلَ أو يُفيقَ» [صحيح النسائي (3432)].

     وأما من أتم سبع سنين من الأولاد ذكورًا أو إناثًا فإنه يؤمر بالصيام ولا يُلزم به، ومن أتم عشر سنين فإنه يؤمر ويلزم بالصيام قياسًا على الصلاة قال عليه الصلاة والسلام: «مُروا أولادَكم بالصلاةِ وهم أبناءُ سبعِ سنينَ واضربوهُم عليها وهمْ أبناءُ عشرٍ وفرِّقوا بينهُم في المضاجعِ» [صحيح أبي داود (495)].

     ولابد أن يكون الشخص الذي يجب عليه الصيام عاقلًا: لقوله صلى الله عليه وسلم: «رُفِعَ القلَمُ عن ثَلاثٍ، عنِ النَّائمِ حتَّى يستَيقظَ، وعنِ الصَّغيرِ حتَّى يَكْبرَ، وعنِ المَجنونِ حتَّى يعقلَ أو يُفيقَ» [صحيح النسائي (3432)].

     ولابد أن يكون قادرًا على الصيام: لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:184]، فخرج الكبير والمريض، قال ابن عباس رضي الله عنهما: ليست منسوخة، هو للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان مكان كل يوم مسكينا. [رواه البخاري (4505)].

     ولابد أن يكون مقيمًا: لقوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:184]، فجاز للمسافر الفطر في نهار رمضان، ويقضي ما أفطره بسفره، وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كُنَّا نُسَافِرُ مع النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ علَى المفْطِرِ، ولَا المفْطِرُ علَى الصَّائِمِ. [رواه البخاري (1947)].

     وأن يصوم في الزمن الذي عينه الشارع: وهو الوارد في قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:187]، فيمسك من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.

     نفعني الله وإياكم بكتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

     فإن المسلم ينبغي له يا عباد الله كما يصون فمه عن الأكل والشرب وفرجه عن شهوته أن يصون لسانه عن الغيبة والنميمة والكذب والفحش من القول صائمًا كان أو غير صائم، قال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحجرات:12]، وقال صلى الله عليه وسلم: «لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ نَمَّامٌ» [رواه مسلم (105)]، وقال: «وإنَّ الكَذِبَ يَهْدِي إلى الفُجُورِ، وإنَّ الفُجُورَ يَهْدِي إلى النَّارِ، وإنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حتَّى يُكْتَبَ كَذّابًا» [رواه مسلم (2607)]، وقال عليه الصلاة والسلام: «ليسَ المؤمنُ بالطَّعَّانِ ولا اللَّعَّانِ ولا الفاحشِ ولا البَذيءِ» [رواه الترمذي (1977)]، فلنصن ألسنتنا عن كل فحش وحرام يا عباد الله، ولنري الله من أنفسنا خيرًا فإنه يتقبل توبة عبده إذا تاب إليه مما جنت يداه، اللهم تقبل أعمالنا وأقوالنا يا رب العالمين،  وتب علينا ياذا الجلال والإكرام، اللهم…