خطبة كيف نعيش رمضان؟

     بعد أيام قليلة سيأتينا ضيف عزيز، وحري بنا أن نعرف لهذا الضيف قدره، وننزله منزلته، ضيف اختصه الله جل وعلا من بين أقرانه بمنزلة عظيمة وكرمه، هذا الضيف هو شهر رمضان الذي اختصه الله تعالى بعدة أمور منها:

     أن الصيام أحد أركان الإسلام الخمسة التي لايقوم الإسلام إلا بها، فعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بُنِيَ الإسْلَامُ علَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسولُ اللَّهِ، وإقَامِ الصَّلَاةِ، وإيتَاءِ الزَّكَاةِ، والحَجِّ، وصَوْمِ رَمَضَانَ» [متفق عليه]، وفيه أُنزل القرآن الكريم من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة:185]، ورمضان مُكفر لما بينه وبين رمضان الآخر من الذنوب الصغيرة قال صلى الله عليه وسلم: «الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إلى الجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إلى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ ما بيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الكَبَائِرَ» [رواه مسلم]، وقال صلى الله عليه وسلم: «فِتْنَةُ الرَّجُلِ في أهْلِهِ ومَالِهِ وجَارِهِ، تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ والصِّيَامُ والصَّدَقَةُ» [رواه البخاري]، والصوم جنة ووقاية من النار، قال صلى الله عليه وسلم: «الصَّومُ جُنَّةٌ منَ النَّارِ، كجُنَّةِ أحدِكم منَ القتالِ» [رواه النسائي]، وخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، والصوم أجره عظيم، قالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «قالَ اللَّهُ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ له، إلَّا الصِّيَامَ؛ فإنَّه لي، وأَنَا أجْزِي به، والصِّيَامُ جُنَّةٌ، وإذَا كانَ يَوْمُ صَوْمِ أحَدِكُمْ فلا يَرْفُثْ ولَا يَصْخَبْ، فإنْ سَابَّهُ أحَدٌ أوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: إنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ. والذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ، لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِن رِيحِ المِسْكِ. لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إذَا أفْطَرَ فَرِحَ، وإذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بصَوْمِهِ» [رواه البخاري]، وللصائم دعوة مستجابة لاترد قال صلى الله عليه وسلم: «ثلاثةٌ لا تُردُّ دعوتُهم: الصائمُ حتى يُفطرَ، والإمامُ العادلُ، ودعوةُ المظلومِ» [رواه الترمذي]، فهل قدرنا لهذا الضيف قدره؟ وهل أعددنا له عُدة الاستقبال؟ أم أننا انشغلنا عنه باللهو واللعب وطول السهر والاستمرار في الغفلة؟ إن من الناس من يتضجر من قدوم شهر رمضان ويثقل عليه صومه والعياذ بالله، وهذا بخلاف ما كان عليه سلفنا الصالح رضوان الله تعالى عليهم الذين كانوا يستبشرون بقدوم شهر رمضان وينتظرونه شوقًا إليه.

     عباد الله إن هناك من الأعمال ما يتأكد في شهر رمضان ومنها، الصيام: قال عليه الصلاة والسلام: «مَن صَامَ رَمَضَانَ، إيمَانًا واحْتِسَابًا، غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ» [متفق عليه]، والصيام صيام عن الطعام وصيام عن الحرام كذلك من غيبة ونميمة وكذب فلاتجعل أخي الحبيب يوم صومك ويوم فطرك سواء، ولايكن حظك من صيامك الجوع والعطش، قال عليه الصلاة والسلام: «ربَّ صائمٍ ليسَ لَه من صيامِه إلَّا الجوعُ وربَّ قائمٍ ليسَ لَه من قيامِه إلَّا السَّهرُ» [رواه ابن ماجه]، ومن الأعمال التي تتأكد في شهر رمضان القيام: قال عليه الصلاة والسلام: «مَن قَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا واحْتِسَابًا، غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ» [متفق عليه]، وقال: «مَن قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إيمَانًا واحْتِسَابًا، غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ» [متفق عليه]، ومن الأعمال الصدقة في شهر رمضان، فقد «كانَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أجْوَدَ النَّاسِ بالخَيْرِ، وكانَ أجْوَدُ ما يَكونُ في رَمَضَانَ» [متفق عليه واللفظ للبخاري]، ومن الأعمال الاجتهاد في قراءة القرآن وتدبره فهو شهر القرآن ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة:185]، ومنها الاعتكاف: فقد كان صلى الله عليه وسلم «يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأوَاخِرَ مِن رَمَضَانَ حتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ» [رواه البخاري]، ومن الأعمال العمرة قال صلى الله عليه وسلم «عُمْرَةٌ في رَمَضَانَ تَقْضِي حَجَّةً -أوْ حَجَّةً مَعِي-» [رواه البخاري].

أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

     هناك من المسائل التي ينبغي للمسلم أن ينتبه لها في شهر رمضان، ومنها النية قال عليه الصلاة والسلام: «مَن لم يُجمعِ الصِّيامَ قبلَ الفجرِ فلا صيامَ لَهُ» [رواه أبوداود]، فلابد من نية الصيام قبل الفجر، وتكفي عن رمضان نية واحدة في أوله، ومن المسائل: أن لايتقدم شهر رمضان بصوم يوم أو يومين إلا أن يوافق عادة تعودها وصيامًا كان يصومه كصوم يومي الاثنين والخميس قال عليه الصلاة والسلام: «لَا يَتَقَدَّمَنَّ أحَدُكُمْ رَمَضَانَ بصَوْمِ يَومٍ أوْ يَومَيْنِ، إلَّا أنْ يَكونَ رَجُلٌ كانَ يَصُومُ صَوْمَهُ، فَلْيَصُمْ ذلكَ اليَومَ» [رواه البخاري]، ومن الناس من يصوم يوم الشك وهو اليوم الذي يُشك فيه هل هو آخر يوم من شهر شعبان أم أول يوم من شهر رمضان لذلك سمي بيوم الشك، وقد نهانا صلى الله عليه وسلم عن صيامه قال عمار بن ياسر رضي الله عنه: «مَن صامَ اليومَ الَّذي يُشَكُّ فيهِ فقَد عَصى أبا القاسِمِ» [رواه النسائي]، ومن المسائل المستحبة تأخير السحور وتعجيل الفطور قال صلى الله عليه وسلم: «لا يَزَالُ النَّاسُ بخَيْرٍ ما عَجَّلُوا الفِطْرَ» [رواه البخاري]، وعن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: «تَسَحَّرْنَا مع النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ثُمَّ قَامَ إلى الصَّلَاةِ»، قُلتُ: كَمْ كانَ بيْنَ الأذَانِ والسَّحُورِ؟ قَالَ: «قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً» [رواه البخاري]، ومن المسائل البُعد عن الرفث وهو الوقوع في المعاصي ومما أذهب الحسنات وجلب السيئات الانشغال بالمسلسلات والأفلام والمباريات والجلسات الفارغات قال عليه الصلاة والسلام: «إذَا كانَ يَوْمُ صَوْمِ أحَدِكُمْ فلا يَرْفُثْ ولَا يَصْخَبْ، فإنْ سَابَّهُ أحَدٌ أوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: إنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ» [رواه البخاري]، ومما ينبغي أن يحرص عليه المسلم في شهر رمضان أن لايكثر من الطعام لئلا يستثقل العبادة قال صلى الله عليه وسلم: «ما ملأ آدميٌّ وعاءً شرًّا من بطنٍ، بحسبِ ابنِ آدمَ أكلاتٍ يُقمنَ صُلبَهُ، فإن كان لا محالةَ: فثلُث لطعامِه، وثُلُثٌ لشرابِه وثُلُثٌ لنفَسِه» [رواه الترمذي وقال: حسن صحيح].

اللهم بلغنا شهر رمضان وأعنا على صيامه وقيامه وذكرك وشكرك وحسن عبادتك يا رب العالمين.