الحمد لله على إتمام الشهر، وعلى إتمام ليالي القيام وأيام الصيام، وعلى الصحة والعافية، وعلى النعمة والأمن والأمان، وعلى كل شيء أنعم به المولى جل وعلا علينا، «اللهم ربنا لك الحمد أنت قيم السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت رب السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، أنت الحق وقولك الحق ووعدك الحق ولقاؤك الحق» [متفق عليه].
لَكَ الحَمدُ يا ذا الجودِ والمجدِ وَالعُلا *** تَبارَكتَ تُعطي مَن تَشاءَ وَتَمنَعُ
قال صلى الله عليه وسلم: «أَمَا إِنَّ رَبَّكَ عَز وَجَل يُحِبُّ الْحَمْدَ» [رواه البخاري].
وكيف لا يُحمد على خلقه كله جل وعلا وهو: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ [السجدة:7].
«لمَّا خلقَ اللَّهُ آدمَ – عليه السلام – ونفخَ فيهِ الرُّوحَ عَطسَ فقالَ: الحمدُ للَّهِ، فحمِدَ اللَّهَ بإذنِهِ، فقالَ لَهُ ربُّهُ يرحَمُكَ اللَّهُ يا آدمُ» [رواه الترمذي]، ونوحًا عليه السلام لما ركب السفينة قال له الله: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون:28]، وإبراهيم عليه السلام لما رزقه الله تعالى إسماعيل وإسحاق على الكبر قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم:39]، وداودُ وابنُه سليمان عليهما السلام لما أعطاهما الله الملك والنبوة وعلم سليمان لغة الطير توجها إلى ربهما قائلين: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل:15]، والله عز وجل قال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء:111]، وكَانَ صلى الله عليه وسلم إذَا أَتَاهُ الأمْرُ يَسُرُّهُ، قَالَ: «الـحَمْدُ للـهِ الَّذِي بِنِعْمَتهِ تَتِمُّ الصَّالِـحَاتُ»، وإذَا أتَاهُ الأمْرُ يَكْرَهُهُ، قَالَ: «الـحَمْدُ للـهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ» [رواه ابن السني في عمل اليوم والليلة والحاكم وصححه].
الحمد لله رب العالمين على … آلائه وهو أهل الحمدِ والنعمِ
ذي الملك والملكوتِ الواحدِ الصمدِ الـ … بر المهيمن مُبدي الخلق من عَدَمِ
من عَلَّم الناسَ ما لا يعلمونَ وبال … بيانِ أنطقهم والخطِ بالقلمِ [الميمية للحكمي]
فاحمد ربك على كل شيء حتى على أكلك وشربك، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة، فيحمده عليها، ويشرب الشربة، فيحمده عليها» [رواه مسلم].
الله أكبر إنها والله لجائزة عظيمة أن يرضى الله تعالى عليك بمجرد أن تحمده بعد أكلك وشربك!، وقد كان من هديه صلى الله عليه وسلم أن يقول بعد الأكل والشرب: «الحمدلله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة» [أخرجه أصحاب السنن إلا النسائي وانظر صحيح الترمذي (٣/ ١٥٣)].
نعم الله كثيرة علينا نستطيع أن نعدها ولكن لانستطيع أن نحصيها، ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النحل:18].
والسبيل لشكرها أن تقر بنعمة الله عليك في قلبك وأن تُظهر ذلك بلسانك فتحمده وتشكره عليها جل وعلا، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَن قال حينَ يُصبِحُ: اللَّهمَّ ما أصبَح بي مِن نعمةٍ أو بأحَدٍ مِن خَلْقِكَ فمنكَ وحدَكَ لا شريكَ لكَ فلَكَ الحمدُ ولكَ الشُّكرُ فقد أدى شُكْرَ ذلكَ اليومِ» [صحيح ابن حبان:861]، وأن تستخدم هذه النعمة فيما يرضيه سبحانه وتعالى.
وإن التزام العبد للحمد يا عباد الله يملأ ميزانه أجرًا وثوابًا من الله، روى مسلم في صحيحه من حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَآنِ – أَوْ تَمْلَأُ – مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَالصَّلَاةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا».
فاللهم ارزقنا حمد نعمتك وشكرها يا رب العالمين، أقول قولي هذا وأستغفر الله …
الخطبة الثانية:
وصية من إبراهيم عليه السلام لنا جميعًا فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَقِيتُ إِبْرَاهِيمَ لَيْلَةَ أُسَرِيَ بِي، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَقْرِئْ أُمَّتَكَ مِنِّي السَّلَامَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الْجَنَّةَ طَيِّبَةُ التُّرْبَةِ عَذْبَةُ الْمَاءِ، وَأَنَّهَا قِيعَانٌ [القيعان: الأرض السهلة المطمئنة المستوية]، وَأَنَّ غِرَاسَهَا سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ» [رواه الترمذي].
فكلما يقول المسلم هذه الكلمات فإنه يغرس في الجنة غرسًا، فأكثروا من غراسكم في الجنة يا عباد الله.
وأخبرنا تعالى أن أهل الجنة يحمدونه على ما أولاهم من نعمة الدخول فيها فيقولون: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ۖ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر:34]، بل يُلهمون التسبيح والحمد كما يُلهمون النَّفَس قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس:9-10]. فالحمد لله ثم الحمد لله ثم الحمد لله.