الحمد لله الذي من على عباده بمواسم الخيرات ليَغفر لهم بذلك الذنوب، ويُكفر عنهم السيئات، وليُضاعف لهم بذلك الثواب، ويَرفع لهم الدرجات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له واسعُ العطايا وجزيلُ الهبات، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أفضل المخلوقات، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان، وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد: عباد الله اتقوا الله ربكم، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:102]. واعبدوه، واشكروه على ما أنعم به عليكم، واحمدوه، واعرفوا نعمته عليكم بمواسم الخيرات التي تتكرر عليكم كل عام ليتكرر بها عليكم من الله الفضلَ والإنعام، وتُجددوا النشاط على صالح الأعمال واجتناب الآثام.
عباد الله: لقد أظلكم شهر عظيم، وموسم كريم تُضاعفُ فيه الحسنات، وتُعظَّم فيه السيئات، إنه شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، إنه شهر الصيام والقيام، شهر الصدقات والبر والإحسان، شهر فيه الرحمة، والمغفرة، والعتق من النار، ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾ [البقرة:183]، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين، ومردة الجن، وغلقت أبواب النار، فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة، فلم يغلق منها باب، وينادي مناد: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار، وذلك كل ليلة» [رواه الترمذي وصححه الألباني].
شهر من صامه إيمانًا بالله واحتسابًا لثواب الله غَفَر الله له ما تقدم من ذنبه، ومن قامه إيمانًا بالله واحتسابًا لثواب الله غَفَر الله له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر فيه إيمانًا بالله واحتسابًا لثواب الله غَفَر الله له ما تقدم من ذنبه، شهر تُفتح فيه أبواب الجنة، وتُغلق فيه أبواب النيران، وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ، الحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا، إلى سَبْع مِائَة ضِعْفٍ، قالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: إلَّا الصَّوْمَ؛ فإنَّه لي، وَأَنَا أَجْزِي به، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِن أَجْلِي. لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ. وَلَخُلُوفُ فيه أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِن رِيحِ المِسْكِ» يفرح عند فطره بأمرين: باستكمال صوم اليوم الذي مَنَّ الله عليه بصيامه، وقوّاه عليه، ويَتناول ما أحلَّ اللهُ له من طعام وشراب، ويَفرح عند لقاء ربه بما يجده عند ربه مُدّخرًا له من أجر الصيام.
عباد الله: إن شهر رمضان شَهرُ مَغنمٍ وأرباح، فاغتنموه بالعبادة، وكثرة الصلاة، وقراءة القرآن، والذكر، والعفو عن الناس، والإحسان، وأزيلوا العداوة، والبغضاء بينكم، والشحناء، واحرصوا على الدعاء عند الإفطار، عن أبي هُريرةَ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: «إذا كان يومُ صَومِ أحَدِكم فلا يَرفُثْ، ولا يصخَبْ، فإن سابَّهَ أحدٌ، أو قاتَلَه؛ فلْيقُلْ: إنِّي امرؤٌ صائِمٌ» [رواه البخاري ومسلم واللفظ له].
واعلموا أن الصيام إنما شُرع ليتحلى الإنسان بالتقوى كما قال تعال: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾، ويمنع جوارحه من محارم الله، فيتركُ كل فعل محرم من الغش والخداع والظلم، ونقص المكاييل والموازين، ومنع الحقوق، والنظر المحرم وسماع الأغاني المحرمة، فإنها تُنقص أجر الصائم، وإياكم وكل قول محرم من الكذب والغيبة والنميمة والسب والشتم، وإن سابه أحد أو شاتمه أحد، فليقل: إني صائم، ولا يرد عليه بالمثل، فلا تجعل أيها المسلم يوم صومك ويوم فطرك سواء، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَن لم يَدَعْ قَولَ الزُّورِ والعَمَلَ به، والجَهْلَ؛ فليس للهِ حاجةٌ أن يدَعَ طعامَه وشَرابَه» [رواه البخاري].
وصوّموا أولادكم الذكور والإناث إذا كانوا يطيقون الصيام ليتعودوا على ذلك، فإن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يُصوّمون أولادهم وهم صغارٌ حتى كان الصبي ربما يبكي من الجوع، فيُعطونه لعبة يتلهى بها حتى يُفطروا.
وَيَنشَأُ ناشِئُ الفِتيانِ مِنّا عَلى ما كانَ عَوَّدَهُ أَبوهُ
وَما دانَ الفَتى بِحِجىً وَلَكِن يُعَلِّمُهُ التَدَيُّنَ أَقرَبوهُ [أبو العلاء المعري]
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه…
الخطبة الثانية:
عباد الله تحروا هلال شهر رمضان ليلة الثلاثين من شعبان، فإن رأيتموه، فصوموا، وإن لم تروه، فلا تصوموا حتى تُكملوا عدة شعبان ثلاثين يومًا، فإن من صام اليوم الذي يُشك فيه، فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم، ولا يصومن أحدكم تطوعًا قبل رمضان بيوم أو يومين، إلا من كان له عادة بصيام شيء من الأيام، فوافق قبل الشهر بيوم أو يومين، فلا بأس من صيامه. قال صلى الله عليه وسلم: «لَا يَتَقَدَّمَنَّ أحَدُكُمْ رَمَضَانَ بصَوْمِ يَومٍ أوْ يَومَيْنِ، إلَّا أنْ يَكونَ رَجُلٌ كانَ يَصُومُ صَوْمَهُ، فَلْيَصُمْ ذلكَ اليَومَ» [رواه البخاري].