خطبة فتنة النساء

     عباد الله، اتقوا الله تعالى، وقوموا بما أوجب الله عليكم من رعاية أولادكم وأهليكم، قوا أنفسكم وأهليكم نارًا وقودها الناس والحجارة، فإنكم رعاتهم والمسؤولون عنهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الرَّجُلُ في أهْلِهِ رَاعٍ وهو مَسْؤُولٌ عن رَعِيَّتِهِ» [رواه البخاري]. واسمعوا قول ربكم خالق الكون والعالم بأسراره: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء:٣٤]، لم يجعلكم الله قوامين عليهن، إلا لعلمه بقصورهن عقلا ودينًا، وأكد ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال في النساء: «ما رَأَيْتُ مِن نَاقِصَاتِ عَقْلٍ ودِينٍ أذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الحَازِمِ مِن إحْدَاكُنَّ» [رواه البخاري]. فاعرفوا أيها الرجال هذا الفضل، وقوموا بهذه الأمانة، ولا يلهينكم الشيطان عن رعاية أهليكم، ولا تشتغلوا بأموالكم عن الحفاظ على ما هو أهم وأولى.

     عباد الله إن فتنة النساء مشكلة الوقت كله قديمًا وحديثًا، وقد كانت مشكلة بني إسرائيل، قال صلى الله عليه وسلم: «فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ؛ فإنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ في النِّسَاءِ» [رواه مسلم]، وهي مشكلة هذه الأمة، قال عليه الصلاة والسلام: «ما تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أضَرَّ علَى الرِّجالِ مِنَ النِّساءِ» [رواه البخاري]. وهذا الحديث الصحيح يتضمن التحذير من هذه الفتنة العظيمة والسعي في القضاء على أسباب الشر قبل أن يستفحل.

     وتكمن المشكلة في التبرج والاختلاط والتسكع في الأسواق، وكل ذلك مما نهى عنه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فالتبرج أن تستشرف المرأة للرجال باللباس والزينة والقول والمشية، ونحو ذلك مما تُظهر به نفسها للرجال، وتُوجب لفت النظر إليها، ولقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣]، ولقد توسع النساء في التبرج باللباس، فصارت المرأة تلبس للسوق من أحسن اللباس، وتضع عليه عباءة ربما تكون قصيرة لا تسترها، أو رهيفة، أو ترفعها عن أسفل جسمها، حتى يبين جمال ثيابها وزينتها، وربما شدت العباءة بيديها على جسمها، حتى يتبين حجمه، وكل هذا مما نهى الله عنه لقد قال تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١]، فإذا كان الله نهى عن الضرب بالرجل خوفا من سماع الخلخال المستور، فكيف بمن تلبس جميل الثياب، ثم ترفع العباءة عنه ليراه الناس بأعينهم، فيفتنهم، وإن الفتنة بما يُرى أعظم من الفتنة بما يُسمع قليس الخبر كالمعاينة. إذا كان الله نهى عن الضرب بالرجل؛ خوفا من سماع الخلخال، فكيف بمن تكشف عن ذراعيها لتُظهر ما عليهما من الحلي والزينة ونعومة اليد؟ كأنما تقول للناس: انظروا إلى نعومة يدي، وإلى ما عليها من الحلي والزينة. وإن من التبرج أن تخرج المرأة متعطرة متطيبة، فإن هذا خلاف أمر النبي صلى الله عليه وسلم، إذ قال: «وليَخرُجنَ تَفِلاتٍ» [رواه أحمد]، أي: غير متطيبات، وقال: «إذا شَهِدَتْ إحْداكُنَّ العِشاءَ فلا تَطَيَّبْ تِلكَ اللَّيْلَةَ» [رواه أحمد]، أي إذا أرادت أن تذهب لتصلي في المسجد فلا تَضَع عِطرًا ولا طيبًا له رائحةٌ عِندَ ذَهابِها للصَّلاةِ؛ لأنَّ الطِّيبَ يُوجِبُ الالتِفاتَ إليها، ويُحرِّكُ قُلوبَ الرِّجالِ وشَهَواتِهم، وهذا لمن أرادت أن تذهب للعبادة فكيف بمن أرادت الذهاب للسوق وغيره؟! وقال صلى الله عليه وسلم: «كل عينٍ زانِيةٍ، والمرأةُ إذا استعطرتْ فمرتْ بالمجلسِ، فهي كذا وكذا. يعني: زانيةٌ». [رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح]. فهي بفعلها هذا جعلت الرجال ينظرون إليها ويقعون في زنا النظر الذي قد يؤدي إلى الزنا الحقيقي والعياذ بالله، وأما اختلاط النساء بالرجال، ومزاحمتهن لهم، فهذا موجود في كثير من محلات البيع والشراء، وهو خلاف الشرع، فلقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم من المسجد، وقد اختلط النساء مع الرجال في الطريق، فقال صلى الله عليه وسلم للنساء: «استأخِرْنَ ؛فإنه ليس لكن أن تَحْقُقْنَ الطريقَ عليكن بحافَاتِ الطريقَ، فكانت المرأةُ تلتصقُ بالجدارِ حتى إن ثوبَها ليتعلَّقُ بالجدارِ من لصوقِها به» [رواه أبوداود]، أي: ليسَ للنساءِ أن يَسِرنَ في وسطِ الطَّريقِ وأن يَلتزِمْنَ السَّيرَ على جانِبَي الطَّريقِ درءًا للفتنة، وحذر صلى الله عليه وسلم أمته من اختلاط النساء بالرجال حتى في أماكن العبادة، فقال صلى الله عليه وسلم: «خَيْرُ صُفُوفِ النِّساءِ آخِرُها، وشَرُّها أوَّلُها» [رواه مسلم]، وإنما كان آخر صفوفهن خيرًا لبُعده عن الرجال ومخالطتهم ورؤيتهم لهن، ألم يكن في هذا أوضح دليل على محبة الشرع لبُعد المرأة عن الرجال واختلاطها بهم؟

     وأما التسكع في الأسواق، والتمشي فيها، فما أكثر من يفعله من النساء تخرج المرأة من بيتها لغير حاجة، أو لحاجة يسيرة يمكن أن يأتي بها غيرها من الرجال أو الصبيان. ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تمنعوا نساءَكمُ المساجدَ وبيوتُهنَّ خيرٌ لَهنَّ» [رواه أبوداود]، فبيت المرأة خير لها حتى من المسجد، فكيف بغيره، وهذا الحديث الصحيح يدل على أنه يجوز للرجل أن يمنع المرأة من الخروج للسوق ما عدا المسجد، ولا إثم عليه في ذلك، ولا حرج، أما منعها من التبرج والتعطر عند الخروج، فإنه واجب عليه ومسئول عنه يوم القيامة.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه يغفر لكم…

الخطبة الثانية:

     إن على المرأة يا عباد الله إذا خرجت أن تخرج بسكينة وخفض صوت، ولا تمشي كما يمشي الرجل بقوة تضرب الأرض برجلها، وتهز كتفيها، وترفع صوتها، قالت أم سلمة رضي الله عنها: لما نزلت هذه الآية: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٩]، خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من السكينة، وعليهن أكسية سود يلبسنها، هذه صفات نساء المؤمنين، فعلى نساء المسلمين أن يلتزمن بذلك ولا تغرنكم الحياة الدنيا وزينتها، ولا يغرنكم من لا يؤمنون بالله واليوم الآخر، فإن هذا التبرج والثياب القصيرة والضيقة، إنما صنعت تقليدًا لهم، وإن أعداءكم يعلمون أنهم لو دعوكم إلى الكفر ما كفرتم، ولو دعوكم إلى الشرك ما أشركتم، ولكن يرضون منكم أن يَهدموا أخلاقكم ودينكم من جهات أخرى، من جهة مُحقرات الذنوب التي يُحقرونها في أعينكم، فتحتقرونها، وتأتونها حتى تنزل بكم إلى النار، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الشَّيطانَ قد يَئِسَ أن تُعْبَدُ الأصنامُ في أرضِ العَربِ، ولكنَّهُ سَيَرضى منكُم بدونِ ذلكَ بالمحقَّراتِ، وهيَ الموبِقاتُ يومَ القيامةِ» [صحيح الترغيب (2470)]، فاتقوا الله أيها المسلمون، ولا تنخدعوا بما يُقدمه لكم أعداؤكم، إنكم الآن على مُفترق طرق فُتحت عليكم الدنيا، وانهال عليكم الأعداء، قدم البعض منهم إلى بلادكم بعاداتهم السيئة وتقاليدهم المنحرفة، وسافر البعض منكم إلى بلادهم، وشاهدتموهم في وسائل الإعلام.

     فإما أن يكون في دينكم صلابة تتحطم عليها مكايد الأعداء، وفيكم قوة الشخصية الإسلامية، فلا تقتدون بهم، ولا تغترون بهم، وتتمسكون بما كان عليه أسلافكم الصالحون، فتنالون خير الدنيا والآخرة، وإما أن يكون الأمر بالعكس لين في الدين، وضَعْفٌ في الشخصية، وانهيار أمام المثيرات، فتبوؤن بالصفقة الخاسرة: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر:١٥].