لقد أكرم الله عز وجل نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم وشرفه، وأعلى قدره ورفع الله له ذكره في الدنيا والآخرة، فقال تعالى: ﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح:4]، قال قتادة: رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب، ولا متشهد، ولا صاحب صلاة، إلا ينادي بها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله. [جامع التأويل للطبري]، ومدح خُلقه وعظمه، فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:4]، وقال: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب:40]، وهو صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم خيارٌ مِن خيارِ مِن خِيارٍ، قال عليه الصلاة والسلام: «إنَّ اللَّهَ اصطفى مِن ولدِ إبراهيمَ، إسماعيلَ، واصطَفى من ولدِ إسماعيلَ بَني كنانةَ، واصطَفى من بَني كنانةَ قُرَيْشًا، واصطفى من قُرَيْشٍ بَني هاشمٍ، واصطَفاني من بَني هاشمٍ» [رواه الترمذي].
بل قُدِّم إمامًا للأنبياء عليهم الصلوات والسلام في ليلة الإسراء والمعراج ببيت المقدس، وعن أنس بن مالك رضي الله عنه: أنَّ النبي صلَّى اللَّه عليه وسلم أُتِيَ بالبراقِ ليلةَ أسري بِهِ ملجمًا مسرجًا فاستصعبَ عليْهِ فقالَ لَهُ جبريلُ: «أبمحمَّدٍ تفعلُ هذا؟! فما رَكبَكَ أحدٌ أَكرمُ على اللَّهِ منْهُ». قالَ: «فارفضَّ عرقًا» أي تصبب عرقًا. [رواه الترمذي وصححه الألباني].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فُضِّلْتُ على الأنبياء بست: أُعْطِيتُ جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وَأُحِلّتْ لي الغنائم، وَجُعِلَتْ لي الأرض طهوراً ومسجداً، وَأُرْسِلْتُ إلى الخلق كافة، وخُتِم بي النبيون» [رواه مسلم].
وقد جعله الله عز وجل رحمة للعالمين فقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:107].
ومعنى الآية: أن الله أرسل نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم رحمة لجميع العالم، مؤمنهم وكافرهم. فأما مؤمنهم فإن الله هداه به، وأدخله بالإيمان به، وبالعمل بما جاء من عند الله الجنة. وأما كافرهم فإنه دفع به عنه عاجل البلاء الذي كان ينـزل بالأمم المكذّبة رسلها من قبله. [جامع التأويل للطبري].
وقَبْضُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ رَحمةً للأمة، كما كان بَعْثُه كذلك، فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ إذا أرادَ رَحْمَةَ أُمَّةٍ مِن عِبادِهِ، قَبَضَ نَبِيَّها قَبْلَها، فَجَعَلَهُ لها فَرَطًا وسَلَفًا بيْنَ يَدَيْها، وإذا أرادَ هَلَكَةَ أُمَّةٍ، عَذَّبَها ونَبِيُّها حَيٌّ، فأهْلَكَها وهو يَنْظُرُ، فأقَرَّ عَيْنَهُ بهَلَكَتِها حِينَ كَذَّبُوهُ وعَصَوْا أمْرَهُ» [رواه مسلم].
فقد مات قبل أمته صلى الله عليه وسلم ليكون لها شفيعًا فقد ماتَ راضيًا عنها.
وأما غيره من الأنبياء فقد ماتت أقوامهم بإهلاك الله لهم؛ فأقر الله عيون الأنبياء بإهلاك أممهم حينَ كذَّبوهم وخالَفوا ما أَمروهم به.
بَدرٌ تَطَلَّعَ في بَدرٍ فَغُــرَّتُـــــــــــــهُ *** كَغُرَّةِ النَصرِ تَجلـــــو داجِيَ الظُلَمِ
ذُكِرتَ بِاليُتمِ في القُرآنِ تَكرِمَــــــةً *** وَقيمَةُ اللُؤلُؤِ المكنـــــونِ في اليُتمِ
اللَهُ قَسَّمَ بَينَ النــــــــــــــاسِ رِزقَهُمُ *** وَأَنتَ خُيِّرتَ في الأَرزاقِ وَالقِسَمِ
إِن قُلتَ في الأَمرِ لا أَو قُلتَ فيهِ نَعَم *** فَخِيــــــــرَةُ اللَهِ في لا مِنكَ أَو نَعَمِ
وقال صلى الله عليه وسلم: «البخيلُ الَّذي مَن ذُكِرتُ عندَهُ فلم يصلِّ عليَّ» [رواه الترمذي]. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه يغفر لكم.
الخطبة الثانية:
قال صلى الله عليه وسلم: «لَا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ، حتَّى أكُونَ أحَبَّ إلَيْهِ مِن والِدِهِ ووَلَدِهِ والنَّاسِ أجْمَعِينَ» [رواه البخاري].
لكن هذا الحب لابد أن يقترن بمتابعةٍ لسنته عليه أزكى الصلاة وأتم التسليم، كما قال الحق سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [آل عمران:31]، ومن المعروف عندنا معاشر المسلمين أنه لا يوجد شخص قد أحب نبينا صلى الله عليه وسلم، مثل: حب أصحابه الكرام رضوان الله عليهم له، وقصصهم في التفاني في حبه معروفة مدونة في كتب السنة والسيرة، حتى كان الواحد منهم إذا تذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس بين أهله وأولاده يتركهم ثم يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم شوقًا إليه.
فالقول بأن الاحتفال بالمولد بدعة منكرة هو القول الحق، وذلك لأنه لم يثبت عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه احتفل بيوم مولده، ولا عن الصحابة، ولا عن التابعين، مع أن سبب الاحتفال بالمولد موجود، ومع ذلك لم يفعلوه ولم يفعله من بعدهم من التابعين لهم بإحسان، ولو كان في مثل هذه الاحتفالات خير لفعله الصحابة، ولأمر به النبي صلى الله عليه وسلم، فدل هذا على أن هذه الاحتفالات ليست بمشروعة، وأنها من الأمور المحدثة، وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَن أحْدَثَ في أمْرِنا هذا ما ليسَ منه فَهو رَدٌّ».
ومولده صلى الله عليه وسلم نعمة يجب شكرها، وكان يشكر الله فيصوم يوم الاثنين، وَسُئِلَ عن صَوْمِ يَومِ الاثْنَيْنِ، قالَ: «ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَيَوْمٌ بُعِثْتُ، أَوْ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ» [رواه مسلم]، فالنعم تشكر بالطاعات لا بالبدع والمحدثات.