خطبة (صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ)

     أنس بن النضر رضي الله عنه صحابي جليل لم يشهد غزوة بدر الكبرى لأنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لم يُعلِنِ النَّفيرَ العامَّ، فلمْ يكُنْ خُروجُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لِلقِتالِ، وإنَّما خَرَجَ لِقافِلةِ أبي سُفيانَ، ولكِنْ أرادَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ القِتالَ، ونَصْرَ رَسولِه والمؤمِنينَ، فتضايق أنس رضي الله عنه كثيرًا وقال: يا رَسولَ اللَّهِ، غِبْتُ عن أَوَّلِ قِتَالٍ قَاتَلْتَ المشْرِكِينَ، لَئِنِ اللَّهُ أَشْهَدَنِي قِتَالَ المشْرِكِينَ لَيَرَيَنَّ اللَّهُ ما أَصْنَعُ – فَلَمَّا قدر الله غزوة أُحُدٍ حضرها أنس – ثُمَّ تَقَدَّمَ، فَاسْتَقْبَلَهُ سَعْدُ بنُ مُعَاذٍ، فَقالَ: يا سَعْدُ بنَ مُعَاذٍ، الجَنَّةَ ورَبِّ النَّضْرِ، إنِّي أَجِدُ رِيحَهَا مِن دُونِ أُحُدٍ، قالَ سَعْدٌ: فَما اسْتَطَعْتُ يا رَسولَ اللَّهِ ما صَنَعَ، أي أن سعدًا لم يستطع أن يفعل ما فعله أنس مِن إقدامِه وقِتالِه لِلمُشرِكينَ.

     فقتل شهيدًا في سبيل الله تعالى، قالَ أَنَسٌ بن مالك رضي الله عنه: فَوَجَدْنَا به بِضْعًا وثَمَانِينَ ضَرْبَةً بالسَّيْفِ، أَوْ طَعْنَةً برُمْحٍ، أَوْ رَمْيَةً بسَهْمٍ، ووَجَدْنَاهُ قدْ قُتِلَ وقدْ مَثَّلَ به المشْرِكُونَ، فَما عَرَفَهُ أَحَدٌ إلَّا أُخْتُهُ ببَنَانِهِ، قالَ أَنَسٌ: كُنَّا نُرَى -أَوْ نَظُنُّ- أنَّ هذِه الآيَةَ نَزَلَتْ فيه وفي أَشْبَاهِهِ: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: 23]، إلى آخِرِ الآيَةِ. [رواه البخاري (2805) بتصرف].

     قال تعالى: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا * لِّيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [الأحزاب: 23-24].

     فمن المؤمنين من مات وهو متم لعهده مع الله جل وعلا، صادق في أدائه حتى لقي الله عز وجل عليه، ومنهم من ينتظر أن يلقى الله تعالى وهو على العهد باق لم يبدل ولم يغير شيئًا، كما فعل المنافقون الذين نقضوا العهد وخالفوا أوامر الله تعالى فاستحقوا عقاب الله وعذابه، ولكنهم تحت مشيئة الله في الدنيا، إن شاء استمر بهم على ما فعلوه حتى يلقوه به فيعذبهم عليه وإن شاء تاب عليهم، وأرشدهم إلى ترك النفاق والعودة إلى الإيمان، وعمل الصالح بعد الفسوق والعصيان، ولما كانت رحمته ورأفته بخلقه هي الغالبة لغضبه قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾. [عمدة التفسير لأحمد شاكر بتصرف].

     والمؤمن يستمر في عهده مع الله جل وعلا، ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر99]، ولما سأل أصحاب اليمين عن سبب دخول المجرمين النار، كان الجواب: ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّىٰ أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ [المدثر: 43-47].

     ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ قال الإمام ابن كثير رحمه الله: ويستدل من هذه الآية الكريمة على أن العبادة كالصلاة ونحوها واجبة على الإنسان ما دام عقله ثابتًا فيُصلي بحسب حاله، كما ثبت في صحيح البخاري، عن عمران بن حصين – رضي الله عنهما – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: «صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب». [تفسير القرآن العظيم].

تنبه هداك الله من نوم غفلـــــــــــــــــــة      ولهو ولا تعمل على الشك والوهم

وسر في طريق اللَه بالجد واستقم      ولازم وخُذ بالعزم يا صاحب العزم

ومن بعـــــــــــده إما مصيرٌ إلى لظى     أو الجنةُ العُليــــــــــــــــــــــا ووُجْدٌ بلا عَدْم

حياةٌ بلا موتٍ نعيمٌ بلا شَقــــــــــــا      ومُلكٌ بلا عزلٍ شبـــــــــــــــــابٌ بلا هَرْم

[نعم عالم الأرواح لابن علوي الحداد].

     عن سفيان الثقفي رضي الله عنه قال: قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، قُلْ لي في الإسْلامِ قَوْلًا لا أسْأَلُ عنْه أحَدًا بَعْدَكَ، قالَ: «قُلْ: آمَنْتُ باللَّهِ، ثم اسْتَقِمْ» [رواه مسلم].

     ونحن ندع يا عباد الله في كل ركعة من ركعات الصلاة فريضة كانت أو نافلة فنقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة].

فاللهم اجعلنا ممن صدق في عهده ووعده معك يا رب العالمين.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه…

الخطبة الثانية:

     إن الاستقامة على دين الله عز وجل تؤدي إلى طمأنينة القلب بدوام الصلة بالله عز وجل، وتعصم صاحبها – بإذن الله عز وجل – من الوقوع في المعاصي والزلل وسفاسف الأمور والتكاسل عن الطاعات،  ولقد رتب الله عز وجل على الاستقامة أجرًا عظيمًا فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ﴾ [فصلت: 30-32].

    فالملائكة تتنزل عليهم عند الموت، وقيل: عند خروجهم من قبورهم، قائلين: ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾ على ما قَدِمْتُم عليه من أمور الآخرة، ولا ما تركتم من أمور الدنيا من مال وولد وأهل، ووعد الله المتقين أن لهم في الجنة ما تشتهيه أنفسهم، وتلذ أعينهم، وتطلبه ألسنتهم، إحسانًا من الله تعالى.

وقال تعالى: ﴿وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا﴾ [الجن:16].

     والاستقامة يا عباد الله تؤدي إلى حب الناس واحترامهم وتقديرهم للمسلم، سواء كان صغيرًا أو كبيرًا على ما يظهر عليه من حرص على الطاعة، والخلق الفاضل.