خطبة شعبان والحياء من الله

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «شعبانُ بين رجبَ ورمضانَ يغفلُ الناسُ عنه تُرفعُ فيه أعمالُ العبادِ فأُحِبُّ أن لا يرفع عملي إلا وأنا صائمٌ» [الصحيحة: 1898].

     أوصى صلى الله عليه وسلم أمته بهذا الشهر وعدم الغفلة عنه لأنه شهر يقع بين شهر رجب الذي هو من الأشهر الحرم، وشهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، لذلك نبه إليه عليه الصلاة والسلام أمته حتى لايغفلوا عنه، وكان يُكثر من الصيام فيه صلى الله عليه وسلم، تقول عائشة رضي الله عنها: كان يصوم شعبان إلا قليلا. [متفق عليه]، وعنها رضي الله عنها قالت: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر قط إلا رمضان، وما رأيته في شهر أكثر صيامًا منه في شعبان. [متفق عليه].

     وفي الحديث قمة الحياء من الله عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بألا يراه الله إلا صائمًا، وهذا هو أهم ما يجب أن يُشغلك أخي المسلم، أن تستحي من نظر الله إليك، تستحي من نظره لطاعات قدمتها امتلأت بالتقصير، وتستحي من أوقات قضيتها في غير ذكر لله، وتستحي من أعمال لم تخدم بها دينه ودعوته، وتستحي من همم وطاقات وإمكانيات وقدرات لم تستنفذها في نصرة دينه وإعزاز شريعته، وتستحي من قلم وفكر لم تسخره لنشر رسالة الإسلام والرد عنه، وتستحي من أموال ونعم بخلت بها عن دعوة الله، وتستحي من كل ما كتبته الملائكة في صحيفتك من تقاعس وتقصير، وتستحي من كل ما يراه الله في صحيفتك من سوءات وعورات، كل ذلك وغيره يستوجب منك أخي الحبيب الحياء من الله والخشية منه جل وعلا.

     ولشهر شعبان فضائل عديدة يا عباد الله، ففي شهر شعبان من السنة الثانية للهجرة حولت القبلة من بيت المقدس إلى المسجد الحرام بقوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة:144]، وفُرض شهرُ رمضان في شهر شعبان من السنة الثانية للهجرة كذلك، فصام رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع رمضانات، وشعبان كالمقدمة لشهر رمضان يهيئ المسلمُ فيه نفسه لاستقبال شهر رمضان، فيصوم منه ويقرأ القرآن، كما كان يفعل صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: كان المسلمون إذا دخل شعبان أكبوا على المصاحف فقرؤوها، وأخرجوا زكاة أموالهم؛ تقوية للضعيف والمسكين على صيام رمضان.

     والعبادة في زمن الغفلة يا عباد الله لها أجر عظيم عند الله تعالى، وغفلة الناس عن الآخرة والاستعداد لها أمر نبه إليه القرآن الكريم منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا، فقال جل في علاه: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنبياء: 1، 2].

     يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: هذا تنبيه من الله، عز وجل، على اقتراب الساعة ودنوها، وأن الناس في غفلة عنها، أي: لا يعملون لها، ولا يستعدون من أجلها.

      قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الْعِبادَةُ في الهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إلَيَّ» [رواه مسلم]، ومعناه: أنَّ العِبادةَ في وقتُ الفِتَنِ واختِلاطِ الأُمورِ، كهِجرةٍ إليه صلى الله عليه وسلم في ثوابها، فإذا انشغل الناس بالفتن وكثرتها واختلاط الأمور، فانشغل أنت بعبادتك، تنل أجر المتعبد في وقت غفلة الناس بإذن الله تعالى.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه…

الخطبة الثانية:

     ليحذر كل منا يا عباد الله من عدم نظر الله عز وجل لعمله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تُفْتَحُ أبْوابُ الجَنَّةِ يَومَ الإثْنَيْنِ، ويَومَ الخَمِيسِ، فيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لا يُشْرِكُ باللَّهِ شيئًا، إلَّا رَجُلًا كانَتْ بيْنَهُ وبيْنَ أخِيهِ شَحْناءُ، فيُقالُ: أنْظِرُوا هَذَيْنِ حتَّى يَصْطَلِحا، أنْظِرُوا هَذَيْنِ حتَّى يَصْطَلِحا، أنْظِرُوا هَذَيْنِ حتَّى يَصْطَلِحا» [رواه مسلم].

     فمن كانت بينه وبين أخيه شحناء أو قطيعة فليصل أخاه، فإن ديننا عظيم يا عباد الله ربط بين العبادة وبين صفاء العلاقة الأخوية، أخوة الرحم أو الأخوة في الله عز وجل، ولنتذكر قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أنْ يَهْجُرَ أخاهُ فَوْقَ ثَلاثٍ، يَلْتَقِيانِ: فَيَصُدُّ هذا ويَصُدُّ هذا، وخَيْرُهُما الذي يَبْدَأُ بالسَّلامِ» [رواه البخاري].

      اللهم ألف على الخير قلوبنا وأصلح ذات بيننا واهدنا سبل السلام يا رب العالمين، اللهم ومن أراد الإسلام والمسلمين بشر فأشغله في نفسه ورد كيده في نحره واجعل تدبيره في تدميره يا ذا الجلال والإكرام..