خطبة رسالة لأولادي

     إن الولد كلمة تطلق على الذكر والأنثى، وقد ذكرها الله في كتابه في أكثر من آية فقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال:28]، وقال: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء:11]، ومن هنا كانت هذه الرسالة موجهة للأولاد ذكورًا وإناثًا، فاسمعوا رعاكم الله يا أولادي، وخاصة وأنتم في زمن الاختبارات، وتريدون النجاح والتميز، إذا أردت النجاح الدنيوي والأخروي فعليك أولا بطاعة الله عز وجل وتوحيده، ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ . نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ . نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت:30 -32]. وقال: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور:53].

     فتوحيد الله تعالى سبب في الفوز في الدنيا والآخرة، وعليكم بالمحافظة على الصلاة، فرضًا كانت أو نفلًا، ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المؤمنون:1، 9]، «والصلاة نور» كما قال صلى الله عليه وسلم: «الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله، والحمد لله تملآن -أو تملأ- ما بين السماوات والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو، فبائع نفسه، فمعتقها، أو موبقها». [رواه مسلم].

     وَالصَّلاةُ نورٌ. أي صلاة الفريضة، والنافلة نور، نور في القلب، ونور في الوجه، ونور في القبر، ونور في الحشر؛ لأن الحديث مطلق، وجرّب تجد. إذا صلّيت الصلاة الحقيقية التي يحضر بها قلبك، وتخشع جوارحك، تحس بأن قلبك استنار، وتلتذّ بذلك غاية الالتذاذ؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «جُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصلاة». [ابن عثيمين رحمه الله].

      ومن أراد رضى الله عز وجل وتوفيقه وتيسيره فعليه ببر الوالدين، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رِضى اللَّهِ في رِضى الوالِدَينِ، وسَخَطُ اللَّهِ في سَخَطِ الوالدينِ» [رواه البيهقي واللفظ له والترمذي].

     كيف يريد النجاح والفلاح من عق والديه، وأساء لهما، وأضر بهما؟!، كيف يريد التيسير والتوفيق من لم يحسن إليهما؟!، ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء:23].

     سمع علي رضي الله عنه رجلا عند الكعبة يهتف ويقول:

يا من يجيب دعـــــــا المضطر في الظُّلَم  ***        يا كـاشف الضر والبلوى مع الألم

قد نام وفدك حول البيت وانتبهـــــــــــوا   ***        أدعو وعينك يا قيــــــــــوم لم تنم

هب لي بجودك فضل العفو عن جُرُمي    ***        يا من إليه أشـــار الخلق في الحرم

إن كان عفوكَ لا يدركْـــــــــــه ذو سرف  ***        فمن يجــــود على العاصين بالكرم

فسأله: ما اسمك؟ قال: منازل بن لاحق قال: وما شأنك وما قصتك؟ قال: كنت شابًا كثير اللهو والطرب، وكان لي والد يعظني كثيرًا ويقول: يا بني! احذر هفوات الشباب وعثراته فإن لله سطوات ونقمات ما هي من الظالمين ببعيد، وكان إذا ألح علي بالموعظة ألححت عليه بالضرب، فلما كان يوم من الأيام ألح علي بالموعظة فأوجعته ضربًا فحلف بالله ليأتين بيت الله الحرام فيتعلق بأستار الكعبة ويدعو علي، فخرج حتى انتهى إلى البيت فتعلق بأستار الكعبة وقال:

يا من إليه أتى الحُجاج قد قطعوا ***      عرض المهامِهِ من قرب ومن بُعــد

إني أتيتك يا من لا يُخَيّبُ مـــــن ***      يدعوه مبتهلاً بالواحد الصمـــــــــــد

هذا منــــــازلُ لا يرتدُّ عن عَقَقي ***      فخذ بحقي يا رحمـــــــــان من ولدي

وشُلَّ منه بحول منك جانبـــــــــه ***      يا من تقدس لم يولد ولم يلــــــــــــــد

    قال: فوالله ما استتم كلامه حتى نزل بي ما ترى، ثم كشف عن شقه الأيمن فإذا هو يابس قال: فأُبت إلى الله ورجعت، ولم أزل أترضى أبي وأخضع له وأسأله العفو عني إلى أن أجابني أن يدعو لي في المكان الذي دعا علي، قال: فحملته على ناقة وخرجنا نريد الحرم حتى إذا صرنا بواد طار طائر من شجرة فنفرت الناقة، فرمت بأبي بين أحجار، فرُضخت رأسُه فمات. فدفنته هناك، وأقبلت وأنا يائس، فلا دعا لي أبي ولا علم الناس أني تبت وتركت العقوق!. [الرقة والبكاء للمقدسي ص405 ومابعدها بتصرف].

     وعليكم يا أولادي بالاجتهاد في طلب العلم، وفي طاعة الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:69].

وقال الإمام الشافعي رحمه الله:

أَخِي، لَنْ تَنَالَ الْعِلْمَ إِلاَّ بِسِتَّــــةٍ  ***        سَأُنْبِيكَ عَنْ تَفْصِيلِهَا بِبَيَــــــــــــانِ

ذَكَاءٌ وَحِرْصٌ وَاجْتِهَادٌ وَبُلْغَـــةٌ ***        وَصُحْبَةُ أُسْتَاذٍ وَطُولُ زَمَـــــــــانِ

وقال آخر:

لا تَحْسَبِ الْمَجْدَ تَمْرًا أَنْتَ آكِلُهُ  *** لَنْ تَبْلُغَ الْمَجْدَ حَتَّى تَلْعَقَ الصَّبِرَا

وعليكم يا أولادي بالصحبة الصالحة، قال صلى الله عليه وسلم: «الرجلُ على دِينِ خليلِه، فلينظر أحدُكم من يُخالِلْ» [السلسلة الصحيحة (927)].

عَنِ المَرءِ لا تَسأَل وَسَل عَن قَرينَهُ *** فَكُلُّ قَرينٍ بِالمقارِنِ يَقتَدي

وكما قيل: الصاحب ساحب.                أقول قولي هذا…

الخطبة الثانية:

     أولادي عليكم بالدعاء لله رب العالمين، فما خاب من دعاه، ولاندم من رجاه، قال الله: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه:114]، وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: كانَ يقولُ – أي النبي صلى الله عليه وسلم – إذا صلَّى الصُّبحَ حينَ يسلِّمُ: «اللَّهمَّ إنِّي أسألُكَ عِلمًا نافعًا ورزقًا طيِّبًا وعملًا متقبَّلًا» [صحيح ابن ماجه].

     وإذا استصعبت شيئًا فقل: «اللَّهمَّ لا سَهلَ إلَّا ما جَعَلتَه سَهلًا، وأنتَ تَجعَلُ الحَزْنَ إذا شِئتَ سَهلًا» [رواه ابن حبان في صحيحه وصححه الأرناؤوط].

     وأكثروا من الصلاة والسلام على خير الأنام ييسر الله لكم أموركم ويزال همكم ويغفر ذنبكم كما قال صلى الله عليه وسلم لمن يكثر من الصلاة عليه: «إذًا تُكفَى همَّك، ويُغفَرُ لك ذنبُك» [صحيح الترغيب (1670)].

     رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي محبته من الإيمان: «لَا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ، حتَّى أكُونَ أحَبَّ إلَيْهِ مِن والِدِهِ ووَلَدِهِ والنَّاسِ أجْمَعِينَ» [رواه البخاري]، رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يستهزيء به ويسبه أهل الكفر بين فترة وأخرى، قد تكفل الله بنُصرته إن لم ينصره أتباعه فقال: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ [التوبة:40]، رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رفع الله ذكره ووضع عنه وزره وقطع ذكر مُبغضه فقال: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبْتَرُ﴾ [الكوثر:3]، تشبثوا بحبه، واتبعوا طريقه، وانصروه، ووقروه، إنه الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، الذي حسّن خلقه وخُلقه الله عز وجل فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:4]، واعلموا أن الله تعالى قال قولا كريمًا تنبيهًا لكم وتعليمًا وتشريفًا لقدر نبيه وتعظيمًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ اللهم صل وسلم على خير نبي أرسلا محمد وآله ومن تلا واحشرنا في زمرته يا رب العالمين، واغفر لنا أجمعين…