خطبة رحمة الله للكافرين!

     قد دل الكتاب والسنة وإجماع أهل العلم على أن ما عمله الكافرون من خير لا يثابون عليه في الآخرة ما داموا قد ماتوا على الكفر، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:65]، وقال تعالى: ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:217]، وقال تعالى: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة:5].

     والآيات في هذا المعنى كثيرة وأخرج مسلم رحمه الله عن عائشة رضي الله عنها قالت: يا رسول الله، إن ابن جُدعانَ كان في الجاهلية يَصل الرحم، ويُطعم المسكين، فهل ذاك نافعه؟ قال: «لا ينفعه إنه لم يقل يومًا رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين».

     فالإسلام شرط لقبول العمل الصالح والإثابة عليه في الدار الآخرة، قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة:54]، كما أن الإسلام شرط لدخول الجنة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تدخل الجنة إلا نفس مسلمة» [متفق عليه].

     وإن من الظواهر العجيبة المتكررة في عصرنا: الترحم على الكفار حين وفاتهم، تضيق الكلمات في أفواههم عن التعبير عن حزنهم، أو تعاطفهم، أو ذكرِ محاسن يريدونها، فلا يجدون إلا المصادمة الصريحة للنص القطعي الناهي عن الاستغفار للكفار!

     فإن المنع من الاستغفار للميت الكافر مسألة قطعية في الشرع، والنصوص فيها صريحة، والإجماع منعقد عليها، وليست مسألة اجتهاد، فقد قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة:113].

     والرسول صلى الله عليه وسلم لم يؤذن له في الاستغفار لأقرب الناس إليه، ففي صحيح مسلم: عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه، فبكى وأبكى من حوله، فقال: «استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت».

     قال الإمام النووي رحمه الله: وَأَمَّا الصَّلاةُ عَلَى الْكَافِرِ وَالدُّعَاءُ لَهُ بِالْمَغْفِرَةِ فَحَرَامٌ بِنَصِّ الْقُرْآنِ وَالإِجْمَاعِ. [المجموع (5/ 119)].

بل ذهب بعض العلماء إلى أن طلب المغفرة للكافر كفر، والعياذ بالله، لماذا؟

     لأنه طلبٌ لتكذيب الله تعالى فيما أخبر به، فالله تعالى أخبرنا فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء:48]، ويأتي هذا ويطلب المغفرة للكافر فهو مُكذب لما أخبر الله فدخل في الكفر والعياذ بالله تعالى. [الشبكة الإسلامية الفتوى: 285976 بتصرف].

     بل إن هناك من يحاول أن يخلط ويفرق بين النهي عن الاستغفار عن الكفار، والترحم لهم، وأنه يجوز الترحم عليهم لأنه لم يرد نهي عنه كما يدعي، بخلاف الاستغفار، وهذا أمر عجيب!

     فالله تعالى بين في كتابه أن الكفار ملعونين أي مطرودين من رحمته والعياذ بالله فقال: ﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:89]، وقد جزم الله في القرآن بأن الكفار يائسون من رحمته: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَٰئِكَ يَئِسُوا مِن رَّحْمَتِي وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [العنكبوت:23]، فكيف يقول مسلم: بل قد يرحمهم الله؟!

      ومع أن رحمة الله تعالى قد وسعت كل شيء، إلا أنه سبحانه يختص بها في الآخرة عباده المؤمنين. قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف:156]. [الشبكة الإسلامية الفتوى: 230395].

قال الإمام القرطبي رحمه الله: ولم تسع إبليس، ولا من مات كافرًا.

          قال الشيخ السعدي رحمه الله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ من العالم العُلوي والسفلي، البر والفاجر، المؤمن والكافر، فلا مخلوق إلا وقد وصلت إليه رحمة اللّه، وغمره فضله وإحسانه، ولكن الرحمة الخاصة المقتضية لسعادة الدنيا والآخرة، ليست لكل أحد، ولهذا قال عنها: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ المعاصي، صغارها وكبارها. ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ الواجبة مُستحقيها ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ ومن تمام الإيمان بآيات اللّه معرفة معناها، والعمل بمقتضاها، ومن ذلك اتباع النبي صلى الله عليه وسلم ظاهرًا وباطنًا، في أصول الدين وفروعه. [تيسير الكريم الرحمن].

     وعلى ذلك – أيها الأحباب الكرام – فالكفار لا تشملهم رحمة الله في الآخرة، ولا يدخلون الجنة إذا ماتوا على كفرهم. [الشبكة الإسلامية الفتوى: 230395].

     كما حكم سبحانه أن من نجا من النار فقد رحمه الله، ﴿مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ [الأنعام:16]، وقال سبحانه: ﴿أَهَٰؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف:49]، وقال تعالى: ﴿وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ [غافر:9]. فكيف يقال عمن هو خالد مخلد في النار: قد رحمه الله؟!

      فمع أدنى رجوع إلى آيات القرآن المتعلقة بالرحمة ينكشف للمسلم بجلاء غلط هذه التكلفات، وأن التفريق بين النهي عن الاستغفار دون الترحم هي طريقة خاطئة، فالمعنى الذي نُهي من أجله عن الاستغفار هو نفس المعنى الذي يُنهى معه عن الترحم، فالكفر الموجب للنار وغضب الجبار يمنع هذا وهذا، ولهذا يجيء في القرآن كثيرًا الجمع بين هاتين الصفتين (غفور رحيم).

     بل إن الرحمة يا عباد الله أشد من العفو والمغفرة، وكما يقول الإمام ابن تيمية رحمه الله: العفو ترك محض، والمغفرة إحسان وفضل وجود، والرحمة متضمنة للأمرين، مع زيادة الإحسان والعطف والبر. [مجموع الفتاوى ج7- مقدمة التفسير والتفسير].

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه يغفر لكم…

الخطبة الثانية:

     إن هناك من يستدل بقصة تخفيف العذاب عن أبي طالب، فنقول له: هذا من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم، وقد تكرر في القرآن في وصف عذاب الكفار ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾ [آل عمران:88]، ومن دعاء الكفار في النار: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ الْعَذَابِ. قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَىٰ قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر:49 – 50] أجارنا الله منها.

     ثم غاية ما في استدلالهم هذا أن يقال: يجوز أن يقال: اللهم خفف عنه العذاب، وليس اللهم ارحمه، فتخفيف العذاب ليس رحمة، بل هو غضب في عذاب سرمدي -والعياذ بالله-، فأي رحمةٍ في مثل هذا؟

     وإذا قلنا بهذا، فأكثر من في النار إذن هم في رحمة الله، لأن بعضهم أشد عذابًا من بعض، فيكون الأقل شدة مُخففًا عنه، فيكون مرحومًا، فهل يقول هذا عاقل؟!

     وربما يظن بعض الناس أن في الدعاء بالتخفيف شيئًا من التسامح واللطف، وما أدري أيَّ تسامح أن تقول لكافرٍ فقد قريبه: أسأل الله أن يخفف عنه، بمعنى أن يخفف عنه العذاب الرهيب في جهنم خالدًا مخلدًا فيها!

     عافانا الله وإياكم من عذاب جهنم، ومن الجهل بالدين، واتباع الهوى، والحياد عن هدي خير المرسلين صلى الله عليه وسلم.