خطبة ذلك عيسى ابن مريم

     إن الحمدَ لله، نحمدُه، ونستعينُه، ونستغفرُه، ونعوذُ بالله من شرورِ أنفسِنا، ومن سيئاتِ أعمالِنا، من يهدِه اللهُ فلا مضلَّ له، ومن يضللْ فلا هاديَ لهُ، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:102]، أما بعد؛ فإن أصـدق الحديث كتاب الله عز وجل، وخيرَ الهدي هديُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ محدثةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ، وكلَّ ضلالةٍ في النارِ؛ وبعدُ عباد الله:

     قص الله عز وجل علينا في كتابه كيف ولد عيسى عليه السلام، وبدأت قصة ولادته كما قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [آل عمران:35]، محررا: أي: خالصا مفرغا للعبادة، ولخدمة بيت المقدس، وكان يجوز هذا في زمانهم أما في شريعتنا فلايجوز ذلك، ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَىٰ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَىٰ وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران:36]، كانت تريد ذكرًا ليكون أقدر على الخدمة، والله عز وجل العليم بالأمور قبل وقوعها ومدبرها وخالقها، وفي هذه الآية دلالة على تفضيل الذكر على الأنثى، وعلى التسمية وقت الولادة، وعلى أن للأم تسمية الولد إذا لم يكره الأب وأن يدعو الوالدان لذريتهما ولذرية ذريتهما أن يعيذهم الله من الشيطان الرجيم، قال صلى الله عليه وسلم: «ما مِن مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا نَخَسَهُ الشَّيْطَانُ، فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِن نَخْسَةِ الشَّيْطَانِ، إِلَّا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ» [رواه الشيخان واللفظ لمسلم]، ويسر الله عز وجل لمريم  أسباب القبول ، وقرنها بالصالحين من عباده تتعلم منهم الخير والعلم والدين، وكفلها زكريا عليه السلام بعد موت أبيها، وإنما قدر الله كون زكريا كافلها لسعادتها، لتقتبس منه علمًا جمًا نافعًا وعملًا صالحًا، ولأنه كان زوج خالتها وقيل: زوج أختها، وكان كلما دخل عليها يجد عندها عجبًا، يجد فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف، واختار الله عز وجل مريم عليها السلام ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:42]، فاصطفاها بالصفات الحميدة والأفعال السديدة، وفضلها على نساء العالمين، قال صلى الله عليه وسلم: «حسبُكَ مِن نساءِ العالَمينَ مَريمُ بِنتُ عِمرانَ، وخَديجةُ بِنتُ خوَيْلدٍ، وفاطمةُ بِنتُ محمَّدٍ، وآسيةُ امرأةُ فِرعَونَ» [صحيح الترمذي (3878)]، وقال صلى الله عليه وسلم: «كَمَلَ مِنَ الرِّجالِ كَثِيرٌ، ولَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّساءِ إلَّا مَرْيَمُ بنْتُ عِمْرانَ، وآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وفَضْلُ عائِشَةَ علَى النِّساءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ علَى سائِرِ الطَّعامِ» [متفق عليه واللفظ للبخاري]، وحين انفردت وحدها شرقي المسجد الأقصى لقضاء حاجة من حوائجها جاءها جبريل عليه السلام على هيئة بشر فقالت له: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا﴾ [مريم:18]، كانت تعلم أن الذي يتقي الله عز وجل يخاف منه، فأخبرها بأن الله أرسله ليهب لها غلاما طاهرًا متصفا بالخصال الحميدة، فتعجبت من وجود ولد من غير أب وقالت: ﴿أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ [مريم:20]، فأخبرها بأنه أمر الله تعالى ولاراد لقضائه، فلا بد من نفوذ هذا التقدير والقضاء، فنفخ جبريل عليه السلام في جيبها، وبخلق عيسى عليه السلام بهذه الكيفية اكتملت الأقسام الأربعة للخلق يا عباد الله، فإن الله تعالى خلق آدم عليه السلام من غير أب ولا أم، وخلق حواء من آدم عليه السلام فكانت من أب بلا أم، وخلق عيسى عليه السلام من مريم عليها السلام فكان من أم بلا أب، وباقي الخلق يُخلقون من أم وأب، فسبحان الخالق القدير جل وعلا.

لما حملت بعيسى عليه السلام، خافت من الفضيحة، فتباعدت عن الناس ﴿مَكَانًا قَصِيًّا﴾ فلما قرب ولادها، ألجأها المخاض إلى جذع نخلة، فلما آلمها وجع الولادة، ووجع قلبها من كلام الناس، وخافت عدم صبرها، تمنت أنها ماتت قبل هذا الحادث، وكانت ﴿نَسْيًا مَّنسِيًّا﴾ فلا تذكر، وهذا التمني جائز كما في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: «وَإِذَا أَرَدْتَ بِعِبَادِكَ فِتْنَةً، فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ». [رواه أحمد والترمذي].

     فإذا خاف العبد الصالح على دينه، فلا حرج عليه في تمني الموت، ﴿فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم:24]، قالوا ناداها عيسى عليه السلام وقالوا كان جبريل عليه السلام في مكان منخفض عنها فناداها أن الله جعل تحتها نهرًا، وأن تهز جذع النخلة فتتخذ بذلك السبب وهي في الحقيقة في حالة ضعيفة جدًا وهي حالة الولادة، ولكن حتى نعلم أن بذل الأسباب أمر لايخالف التوكل على الله عز وجل.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه يغفر لكم…

الخطبة الثانية:

     قال تعالى: ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ [مريم:26]، فأمرها تعالى بأن تأكل وتشرب وأن تصوم عن الكلام لأنه سيغنيها عن الكلام وغيره سبحانه وتعالى، فلما أتت قومها حدث ماكانت تخاف منه من اتهامها فقال تعالى عنهم: ﴿يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا * يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم:27، 28]، فأشارت إلى عيسى عليه السلام فاستغربوا كيف يتكلمون مع صغير مولود، وهنا أنطقه الله تعالى القادر على كل شيء سبحانه، فقال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا * وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم:30-33]، هذه هي قصة ولادة عيسى عليه السلام، فهو عبدالله ورسوله، كما يعتقد ذلك كل مسلم ومسلمة، وليس ابن زنا كما يقول اليهود عليهم لعائن الله تترى، وليس ابن الله تعالى الله عن ذلك علوا كبيرًا، كما تقول النصارى واتخذوه وأمه إلهين من دون الله عز وجل، وأقاموا يومًا لولادته يسمونه بالكريسماس، وهو عيد يحتفل فيه النصارى بعيد ميلاد يسوع، أي: بعيد (ميلاد الرب) عند أحد مذاهبهم، أو بعيد (ميلاد ابن الرب) عند مذهبهم الثاني، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، والله عز وجل يقول: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [مريم:35]، فهل تهنئ يا مسلم أناسًا يدعون بأن عيسى إله أو ابن الله، وتفعل منكرًا عظيمًا بهذه التهنئة لهم؟! وبموافقتهم على شركهم؟! عافانا الله وإياكم من كل شرك ومنكر.

بل إن القرآن والسنة والإنجيل المحرف كذلك لايوجد فيه تاريخ ولادة عيسى عليه السلام وقد أتوا بهذا التاريخ من خلط النصرانية بالوثنية في زمن قسطنطين.