الحمد لله مبلغ الآمال، الموفق إلى صالح الأعمال، وأشهد أن لا إله إلا الله الذي أمر بحفظ الدين والعقل والأعراض والأنساب والأموال، ونهى عن إضاعة شيء منها أو تعريضها للزوال، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله الهادي من الضلال، الذي نهى عن قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين سلكوا سبل ربهم ذللا كالزلال.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:102].
عباد الله: سنتحدث عن آفة خطيرة دخلت على مجتمعنا ومجتمعات المسلمين عامة وأحدثت هلاكًا للأفراد والأسر، وتفريقًا للمجتمع، آفة يجب على الجهات الحكومية والأهلية والأفراد محاربتها والتصدي لها، وقع فيها الكثير وما زال يقع آخرون، وبحسب آخر إحصائية لها فإن أغلب من يقع فيها هم الشباب ما بين سن الخامسة عشر إلى الخامسة والعشرين، بعد أن كان الذي يقع فيها هم فوق الخامسة والثلاثين، بل إن في إحصائية عام 2021م أصيب 40 ألف شخص من الكويتيين وغير الكويتيين بهذه الآفة، 77% منهم من طلاب الثانوية والجامعة.
إنها آفة المخدرات، تلك التي فيها تغييب للعقل الذي حبا الله عز وجل به الإنسان فقال: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء:70]، قال الإمام الطبري رحمه الله: والصحيح الذي يعول عليه أن التفضيل إنما كان بالعقل الذي هو عمدة التكليف.
وفي المخدرات يا عباد الله من الأضرار العظيمة ما قد يكون أعظم من الضرر الحاصل بشرب الخمر، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار» [رواه أحمد وابن ماجه].
وكل ما أضر بالإنسان تناوله فهو حرام؛ لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء:29]، ولقوله: ﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:195].
وفيها ضرر بالشخص ذاته، وبأسرته وأولاده، وبمجتمعه وأمته، أما الضرر الشخصي: فهو التأثير الفادح في الجسد والعقل معا؛ وأما الضرر العائلي: فهو ما يلحق بالزوجة والأولاد من إساءات، فينقلب البيت جحيما لا يطاق من جراء التوترات العصبية والهيجان والسب والشتم، والتكسير والإرباك، والطلاق وتفكك الأسرة وتشتت الأولاد، وأما الضرر العام: فهو واضح في إتلاف أموال طائلة من غير مردود نفعي، وفي تعطيل المصالح والأعمال، والتقصير في أداء الواجبات، والإخلال بالأمانات العامة، سواء بمصالح الدولة أو المؤسسات أو المعامل أو الأفراد. هذا فضلا عما تؤدي إليه المخدرات من ارتكاب الجرائم على الأشخاص والأموال والأعراض.
قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: وكل ما يغيب العقل فإنه حرام وإن لم تحصل به نشوة ولا طرب، فإن تغييب العقل حرام بإجماع المسلمين. [الفتاوى (34/210)].
ودليل تحريم المخدرات قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة:4].
وبصفة عامة فإن كل أدلة تحريم الخمر يصلح أن يستدل بها على تحريم المخدرات، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام». [رواه مسلم].
فمما تقرر في شريعتنا أنها إنما جاءت لتحصيل المصالح وتكثيرها، ودرء المفاسد وتقليلها، فما خلص أو غلب نفعه كان حلالاً، وما خلص أو غلب ضرره كان حرامًا.
والخمر والمخدرات من القسم الثاني بلا منازع، وأضرارهما ومفاسدهما مما تواتر علمها عند القاصي والداني، والعالم والجاهل.
وفي الإحصاء الأخير الذي أجري في فرنسا أشار إلى أن هذه المواد (المخدرات) يفوق عددها 500 مركب، تتصف جميعها بالسيطرة على المريض، وتؤدي إلى الاضمحلال البدني، والانهيار النفسي، والضعف العقلي… وعلاوة على ذلك، فإن هذه المواد قد تحتوي على شوائب خطيرة السمية، تضاف بقصد الغش، أو لتقوية فعاليتها المخدرة.
كل ذلك يجعلنا نحمد الله سبحانه وتعالى على ما شرع من دين محكم أحل لنا فيه الطيبات، وحرم علينا الخبائث، ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف:157].
بل إن من أجلّ محاسن الدين أنه أحل كل طيب من المآكل والمشارب والملابس والمناكح والأقوال والأفعال، وحرم كل خبيث منها، وأنه ما من طريق محرم يتوهم المتوهم أن الحاجة أو الضرورة تدعو إليه إلا وفي الطريق المباح غنية عنه وفسحة مع ما اشتمل عليه المباح من المنفعة والخير. [السعدي – مجموع الخطب].
ولنتأمل بعين البصيرة كم يخسر العالم اليوم اقتصاديًا واجتماعيًا وصحيًا ونفسيًا بسبب هذه الآفة، عافانا الله وإياكم منها. أقول ما تسمعون…
الخطبة الثانية:
إن ضعف الوازع الديني هو بالفعل سبب الوقوع في هذه المعصية وغيرها من المعاصي، لذلك كان لابد من أن تعاد هذه النفوس المصابة بهذه الآفة إلى دين الله تعالى، فيعالج بالالتزام بالعبادات كالصيام والصلاة وقراءة القرآن، فإن لها تأثيرًا كبيرًا بفضل الله تعالى، وبتغيير الصحبة السيئة إلى الصحبة الصالحة، فإن أول علاج ذكره الراهب لقاتل المائة نفس هو: «انْطَلِقْ إِلَى أرض كذا وكذا؛ فإن بها أُناسًا يعْبدون الله تعالى فاعْبُدِ الله معهم، ولا ترجعْ إِلى أَرْضِكَ؛ فإِنها أرضُ سُوءٍ» [متفق عليه]، كما أخبرنا بذلك صلى الله عليه وسلم، وكذلك من الأسباب إهمال الوالدين لأولادهم، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ، وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» [متفق عليه]، فليحرص كل والد على أولاده، وليعلم أنه موقوف ومسؤول عنهم، فاللهم احفظ أولادنا وأولاد المسلمين في كل مكان يا رب العالمين، اللهم احفظ الإسلام والمسلمين من كل شر وسوء يا رب العالمين، اللهم ومن أراد الإسلام والمسلمين بشر فأشغله في نفسه ورد كيده إلى نحره، اللهم اغفر لنا أجمعين…