كان المسلمون وهم في طريقهم لفتح خيبر كان قد بلغ بهم الفقر والجوع مبلغًا، حتى إن احدهم ليربط على بطنه من الجوع، ولم يكن لهم طعام سوى الماء والتمر، وبعد حصار فتح الله عليهم بعض الحصون فوجدوا حميرًا، فاختاروا عشرين منها، ونحروها، وسلخوها، ووضعوها في القدور، وأوقدوا تحتها النار، وراحت القدور تغلي، وبطونهم تغلي معها من الجوع، وحين نضج اللحم وأصبح جاهزًا للأكل، جاء الامتحان الرباني على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أمر عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه فنادى في الناس: «إن لحوم الحمر لا تحل لمن يشهد أني رسول الله» [رواه البخاري ومسلم].
وانظروا يا عباد الله لم يأت الأمر بالتحريم قبل النحر، أو قبل الذبح، أو قبل السلخ، أو قبل الطهي، إنما جاء الأمر الرباني بعد كل هذه الأمور في أعسر امتحان للنفس البشرية، والقدور تفور باللحم، ونفذوا الأمر بدون تردد …. فكفأت القدور ولم يتناول مسلم ولو نهشة واحدة، ولم تسجل مخالفة واحدة، ولكنه التنفيذ كاملاً من الجميع… فكانت النتيجة أن فتح الله لهم الحصون فغنموا طعاماً. وشراباً وأموالاً كثيرة من الذهب والفضة وعتاداً وسلاحاً كثيرًا.
الاستجابة لأمر الله ورسوله حياة وفوز وفلاح وهي علامة الإيمان وثمرة التقوى، وهي دليل صدق العبد وسبب لنجاته في الدنيا والآخرة، وقد أمر الله بها فقال تعالي: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ : وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبه وأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) (الانفال:24).
وفي رمضان لماذا يصوم المسلم؟ ولماذا يصوم في وقت محدد؟ ومتى يفطر كل يوم؟ ولماذا لا يتقدم على المؤذن عند الإفطار؟ ولماذا يتوقف عن الأكل والشرب عندما يؤذن المؤذن لصلاة الفجر؟ وما الذي يجعله يمتنع طوال اليوم عن الأكل والشرب رغم أنه يستطيع أن يأكل ويشرب دون أن يراه أحد؟ وكيف ينبغي أن تكون أخلاقه مع من حوله؟ ولماذا يقوم الليل ويصلي التراويح وينفق ويتصدق ويقرأ القرآن بحب وشغف؟ وعند نهاية شهر رمضان يسارع المسلم إلى إخراج زكاة الفطر للفقراء، ويلبس الجديد ويذهب لصلاة العيد ، لماذا كل هذا؟
إنها الاستجابة لأمر الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم.
فما أجمل أن نستجيب لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم في إيماننا وعباداتنا وأخلاقنا ومعاملاتنا، ما أجمل أن نستجيب لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم في السياسة والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية والدولية، ما اجمل أن نستجيب لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم في العسر واليسر والمنشط والمكره، ما أجمل أن نستجيب لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم في تربيتنا لأولادنا ومع اهلنا وجيراننا ومع الناس من حولنا.
الاستجابة سبب من أسباب إجابة الدعاء: فهي طريق لرضا الله تعالى، فتحقيق الإيمان وامتثال أوامر الله تعالى جعلها الله تعالى من شروط إجابة الدعاء فقال تعالى ” وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي ” بفعل أوامره واجتناب نواهيه، عندها تكون إجابة دعوة الداع أرجى. وفي باب استجابة الدعاء هناك نصوص أخرى تبين أنه قد تتخلف الإجابة مطلقاً وقد تتخلف إلى بدل ، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :” مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا إِحْدَى ثَلَاثٍ إِمَّا أَنْ تُعَجَّلَ لَهُ دَعْوَتُهُ وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنْ السُّوءِ مِثْلَهَا قَالُوا إِذًا نُكْثِرُ قَالَ اللَّهُ أَكْثَرُ
الخطبة الثانية:
الاستجابة حياة وعزة ونجاة وجنة والغفلة موت وذلة .. قال تعالى: (لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ) [الرعد: 18].
يخبر تعالى عن مآل السعداء والأشقياء فقال : ( للذين استجابوا لربهم ) أي : أطاعوا الله ورسوله ، وانقادوا لأوامره ، وصدقوا أخباره الماضية والآتية ، فلهم ) الحسنى ) وهو الجزاء الحسن كما قال تعالى مخبرا عن ذي القرنين أنه قال : ( قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا ) [ الكهف : 87 ، 88 ] وقال تعالى : ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ) [ يونس : 26 ] .
وقوله : ( والذين لم يستجيبوا له ) أي لم : يطيعوا الله ( لو أن لهم ما في الأرض جميعا ) أي : في الدار الآخرة ، لو أن يمكنهم أن يفتدوا من عذاب الله بملء الأرض ذهبا ومثله معه لافتدوا به ، ولكن لا يتقبل منهم; لأنه تعالى لا يقبل منهم يوم القيامة صرفا ولا عدلا ( أولئك لهم سوء الحساب ) أي : في الدار الآخرة ، أي : يناقشون على النقير والقطمير ، والجليل والحقير ، ومن نوقش الحساب عذب; ولهذا قال : ( ومأواهم جهنم وبئس المهاد ) [تفسير القرآن العظيم لابن كثير].
عقوبة عدم الاستجابة لأمر لله تعالى وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، ما رواه مسلم في صحيحه من حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه أن رجلًا أكل عند النبي صلى الله عليه وسلم بشماله فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “كُلْ بِيَمِينِكَ”، فَقَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ، قَالَ: “لَا اسْتَطَعْتَ”، مَا مَنَعَهُ إِلَّا الْكِبْرُ، قَالَ: فَمَا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ [6].
فهذا الرجل تكبر على أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت عاقبته أن شُلت يده.