خطبة ثلاث وأي ثلاث

     قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216].

     ومعنى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ أي فرض عليكمالجهاد الذي هو ذروة سنام الإسلام، قال عليه الصلاة والسلام: «رأسُ الأمرِ الإسلامُ، وعمودُهُ الصَّلاةُ، وذروةُ سَنامِهِ الجِهادُ» [رواه الترمذي].

     وقال ابن كثير رحمه الله: هذا إيجاب من الله تعالى للجهاد على المسلمين: أن يكفوا شر الأعداء عن حوزة الإسلام. [تفسير القرآن العظيم].

     وإن محاولة أعداء الله إنهاء هذا المعنى وهذه العبادة وهذه الفريضة من قلوب المسلمين لأنهم يعلمون أنه لن تقوم للإسلام قائمة إن لم يجاهد أبناؤه أهل الكفر والإلحاد ويكفوا شرهم عن الإسلام والمسلمين.

     ومن فضيلة الجهاد ما ذكره الله تعالى بقوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:59]. وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: 111].

     وقد جاء أنه صلى الله عليه وسلم جعله أفضل الأعمال بعد الإيمان في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي العمل أفضل؟ قال: «إيمان بالله ورسوله» قيل: ثم ماذا؟ قال: «الجهاد في سبيل الله». [رواه البخاري ومسلم].

     وحكم الجهاد يا عباد الله فرض كفاية، وهو قول جمهور العلماء، بمعنى أنه إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين، وذهب جمهور العلماء إلى أنه يكون فرض عين في حالات ثلاث: إذا التقى الصفان لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال:45]، وإذا هجم العدو بغتة عليهم لقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ [الأحزاب:13]، وإذا استنفر الإمامُ قومًا بعينهم لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة: 38]، [مختصر من الموسوعة الفقهية 16 /129 ومابعدها بتصرف]، قال صلى الله عليه وسلم: «مَن ماتَ ولَمْ يَغْزُ، ولَمْ يُحَدِّثْ به نَفْسَهُ، ماتَ علَى شُعْبَةٍ مِن نِفاقٍ» [رواه مسلم]، أي: نوع من أنواع النفاق لتشبهه بالمنافقين والمتخلفين عن الجهاد ومن تشبه بقوم فهو منهم. [ابن عثيمين شرح رياض الصالحين بتصرف].

     فأنواع الجهاد: منها بالنفس، ومنها ما يكون بالكلمة، ومنها ما يكون بالمال، عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «جَاهِدُوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم» [رواه أبوداود].

    وأما قوله تعالى: ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ﴾ فليس كل ما نظنه خيرًا لناهو خير، وليس كل ما نظنه شرًا لنا هو شر،عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أحَبَّ لِقَاءَ اللهِ أَحَبَّ اللهُ لِقَاءهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ كَرِهَ اللهُ لِقَاءهُ» فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، أكَراهِيَةُ الموتِ، فَكُلُّنَا نَكْرَهُ الموتَ؟ قال: «لَيْسَ كَذَلِكَ، ولكِنَّ المُؤْمِنَ إذَا بُشِّرَ بِرَحْمَةِ اللهِ وَرِضْوَانِهِ وَجَنَّتِهِ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ فَأَحَبَّ اللهُ لِقَاءهُ، وإنَّ الكَافِرَ إذَا بُشِّرَ بِعَذابِ اللهِ وَسَخَطهِ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ وكَرِهَ اللهُ لِقَاءهُ» [رواه مسلم].

     قال تعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ﴾ فقد نكره شيئا فيه خير كثير لنا، وقد نحب شيئا فيه شر كبير لنا،وهنا نذكرقاعدة في الحب والكره وفي تعاملنا مع الناس والأشياء، قال علي رضي الله عنه: أَحْبِب حبيبك هونًا ما، عسى أن يكون بغيضك يومًا ما، وأبغض بغيضك هونًا ما، عسى أن يكون حبيبك يومًا ما. [رواه الترمذي (1997) وقال: غريب لا نعرفه بهذا الإسناد إلا من هذا الوجه والصحيح عن علي موقوفا]. والله عز وجل قال: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:143].

     بل حتى في حبنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم يجب أن لانغلو: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله» [رواه البخاري].

     والخيرية يا عباد الله قد تخفى علينا ولكن الله جل وعلا يعلمها، فقد أخبرنا صلى الله عليه وسلم عن رجل من بني إسرائيل أراد أن يتصدق سرًا بالليل، فخرج في أول ليلة فرأى رجلا فأعطاه الصدقة، «فأصبحوا يتحدثون: تُصُدِّقَ على سارق! فقال: اللهم لك الحمد، لأَتَصَدَّقَنَّ بصدقة»فخرج بصدقته في الليلة الثانية فوضعها في يد امرأة«فأصبحوا يتحدثون: تُصُدِّقَ الليلة على زانية! فقال: اللهم لك الحمد على زانية! لأَتَصَدَّقَنَّ بصدقة»فخرج بصدقته في الليلة الثالثة فوضعها في يد رجل«فأصبحوا يتحدثون: تُصُدِّقَ على غني؟ فقال: اللهم لك الحمد على سارق وعلى زانية وعلى غني! فأُتيَ – أي أرسل الله ملكا في صورة بشر – فقيل له: أما صدقتك على سارق فلعله أن يَسْتَعِفَّ عن سرقته، وأما الزانية فلعلها تَسْتَعِفُّ عن زناها، وأما الغني فلعله أن يَعْتَبِرَ فيُنْفِقَ مما أعطاه الله» [متفق عليه].          أقول قولي هذا …

الخطبة الثانية:

     قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ قال ابن كثير رحمه الله: أي: هو أعلم بعواقب الأمور منكم، وأخبر بما فيه صلاحكم في دنياكم وأخراكم؛ فاستجيبوا له، وانقادوا لأمره، لعلكم ترشدون. [تفسير القرآن العظيم].

     وفي الآية تأكيد على قلة علمنا ولو بلغنا مابلغنا من العلم، لما ركب الخضر وموسى عليه السلام في السفينة: «فجاء عصفور، فوقع على حرف السفينة، فنقر نقرة أو نقرتين في البحر، فقال الخضر: يا موسى ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كنقرة هذا العصفور في البحر» [متفق عليه].

فعلم الله تعالى لايحيط به أحد.

وهو العليمُ أحاط علمًا بالذي    ***        في الكونِ من سرٍ ومن إعـــلانِ

وبكُلِّ شيءٍ عِلْمُهُ سُبحانــــــهُ   ***        فهو المحيطُ وليس ذا نِسيــــــانِ

وكذاكَ يَعلمُ ما يكونُ غدًا وما    ***        قد كانَ والموجــــودُ في ذا الآنِ

وكذاكَ أمرٌ لم يكنْ لو كــــــــانَ ***        كيفَ يكونُ ذاكَ الأمرُ ذا إمكان

[النونية لابن القيم]

     سبحانه وتعالى، اللهم أنت العليم بحالنا فاغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا وما أسررنا وما أعلنا وما أنت أعلم به منا أنت المقدم وأنت المؤخر وأنت على كل شيء قدير.

اللهم اغفر لنا أجمعين…