خطبة ثبات المؤمن

     عباد الله إن المؤمن الذي آمن بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا وأيقن أن الأمر كله لله، يقلب الأمور كما يشاء، يعز من يشاء ويذل من يشاء، يهدي من يشاء ويضل من يشاء، يرفع من يشاء ويخفض من يشاء، هذا المؤمن لايمكن أن يتنازل عن شيء من ثوابته، لا يتنازل عن توحيده لربه من أجل هوى متبع، فليس عنده ما يسمى بالكريسمس ولا بالهالوين ولا بعيد الحب فالنتاين ولا غيرها، فهو يعبد ربا واحدًا لا شريك له ولا إله غيره، فها هو إبراهيم عليه السلام: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ثم ورثه في ذريته، ووصاهم به، وجعلها كلمة باقية في عقبه، وتوارثت فيهم، حتى وصلت ليعقوب عليه السلام فوصى بها بنيه، ﴿وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ * أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:131-133]، قال صلى الله عليه وسلم: «ما مِن عَبْدٍ قالَ: لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، ثُمَّ مَاتَ علَى ذلكَ إلَّا دَخَلَ الجَنَّةَ» [رواه البخاري (5827)]، فاحذروا يا عباد الله من الموت على غير لا إله إلا الله، والمؤمن يا عباد الله لا يتنازل عن شيء مما أمره به دينه، فلايتنازل عن صلاته ولا عن صيامه ولا عن غيرها من العبادات التي شرعها الله جل وعلا، ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:32]، قال أنس رضي الله عنه: كانَت عامَّةُ وصيَّةِ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ حينَ حضَرتهُ الوفاةُ وَهوَ يُغَرْغرُ بنفسِهِ: «الصَّلاةَ وما ملَكَت أيمانُكُم». [صحيح ابن ماجه (2200)]، فانظروا كيف كان يحث صلى الله عليه وسلم أمته على التزام هذه العبادة العظيمة وعدم تركها حتى في آخر لحظات حياته صلى الله عليه وسلم.

     ومن الثوابت التي لا يتنازل عنها المؤمن أخلاقه الإسلامية، قال صلى الله عليه وسلم: «إنما بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مكارمَ الأخلاق» وفي روايةٍ: «صالحَ الأخلاقِ» [الصحيحة (45)]، بالأخلاق ترتقي الأمم وتسود، وبها تتآلف القلوب وتجتمع، فيحصل بتحقيقها بشاشة الوجه وسعة الصدر والعفو عن المخطئ ويبتعد المؤمن بأخلاقه عن السب والقذف والكلام الفاحش والبذيء، قال صلى الله عليه وسلم: «ليسَ المؤمنُ بالطَّعَّانِ ولا اللَّعَّانِ ولا الفاحشِ ولا البَذيءِ» [رواه الترمذي (1977)]، وقد قال الشاعر:

والصدقُ أرفعُ ما اهتز الرجالُ له      وخيرُ ما عَوَّد ابنا في الحياة أبُ

وإنما الأممُ الأخلاقُ ما بقيت        فإن هُمُ ذَهبتْ أخلاقُهم ذَهبوا

     سيئ الخلق مذكورٌ بالذكر القبيح، يمقته الله عز وجل، ويُبغضه الرسول صلى الله عليه وسلم، ويُبغضه الناس على اختلاف مشاربهم، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وإن أبغضكم إليَّ وأبعدكم مني في الآخرة أسْوَؤُكم أخلاقًا» [رواه أحمد وحسنه الألباني].

     قال الإمام الغزالي رحمه الله: الأخلاق السيئة هي السموم القاتلة، والمهلكات الدامغة، والمخازي الفاضحة، والرذائل الواضحة، والخبائث المبعدة عن جوار رب العالمين، المنخرطة بصاحبها في سلك الشياطين، وهي الأبواب المفتوحة إلى نار الله تعالى الموقدة التي تطلع على الأفئدة. [مساوئ الأخلاق ومذمومها وطرائق مكروهها لأبي بكر محمد بن جعفر].

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

     عباد الله من رأى مبتلى في عقيدته أو دينه أو خلقه فليقل: الحمدُ للهِ الذي عافاني مما ابتلاكَ به، وفضَّلني على كثيرٍ ممن خلق تفضيلًا، فإنه إن قال هذا لم يُصِبْهُ ذلك البلاءُ، قال صلى الله عليه وسلم: «من رأى مبتلًى فقال: الحمدُ للهِ الذي عافاني مما ابتلاكَ به، وفضَّلني على كثيرٍ ممن خلق تفضيلًا، لم يُصِبْهُ ذلك البلاءُ» [الصحيحة (2737)]، مَن رأَى مُبتلًى بأيِّ بَليَّةٍ في البَدَنِ كمَرَضٍ، أو الدُّنيا كفقرٍ، أو الدِّينِ كعاصٍ لله تعالى، فقال هذا الدعاء فقد شكر الله على نعمة السلامة من هذه الشرور، وكان ذِكرُ اللهِ وحمْدُه سببًا في أنْ يَحفَظَ المرْءَ ويحمِيَه مِن هذا البلاءِ الذي وَقَعَ بغيرِه؛ لأنَّه لا يأمَنُ أنْ يَقَعَ به؛ ولأنَّ اللهَ يُعافيه ويرحَمُه بدُعائِه، فيَنبغي للعبدِ أنْ لا يزالَ ذاكرًا نِعَمَ اللهِ عليه مُعتبِرًا في رُؤيَةِ العبادِ، ومُقِرًّا أنَّ ما به مِن نِعمةٍ؛ فمِنَ اللهِ.

     فاللهم أدم علينا نعمتك وحفظك وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وارزقنا السلامة في توحيدنا وديننا وأخلاقنا يا رب العالمين، وثبتنا على الدين حتى نلقاك وأنت راض عنا يا كريم.