قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سلك طريقًا يطلبُ فيه علمًا، سلك اللهُ به طريقًا من طرقِ الجنةِ، وإنَّ الملائكةَ لتضعُ أجنحتَها رضًا لطالبِ العِلمِ، وإنَّ العالِمَ ليستغفرُ له من في السماواتِ ومن في الأرضِ، والحيتانُ في جوفِ الماءِ، وإنَّ فضلَ العالمِ على العابدِ كفضلِ القمرِ ليلةَ البدرِ على سائرِ الكواكبِ، وإنَّ العلماءَ ورثةُ الأنبياءِ، وإنَّ الأنبياءَ لم يُورِّثُوا دينارًا ولا درهمًا، ورَّثُوا العِلمَ فمن أخذَه أخذ بحظٍّ وافرٍ». [صحيح أبي داود (3641)].
العِلْمُ نورٌ للعُقولِ وضِياءٌ للحَضاراتِ، وقد حَثَّ الإسْلام عَلى طَلبِ العِلْم النَّافِعِ بِكُلِّ فُروعِه؛ لِمَا فيه من إعْمارٍ للأَرْضِ وإقامةِ الدِّينِ الحَقِّ على الهُدى والنُّورِ والبَيِّناتِ، وجَعَلَ لِطُلابِ العِلْمِ ولِلعُلَماءِ مَنزِلةً رَفيعةً بين النَّاسِ. [شرح موقع درر السنية].
وانظروا يا عباد الله إلى الفضل العظيم الذي أخبرنا به صلى الله عليه وسلم لمن طلب العلم، فهو طريق من طرق الجنة رزقنا الله وإياكم الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، والملائكة تبسط أجنحتها لطالب العلم وتتواضع له وتنزل عند مجالس العلم، وكل من في السماوات ومن في الأرض ليستغفر لطالب العلم حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، قال العلماء: لأنَّه يَعُمُّ بِنورِه الأرْضَ، على عَكْسِ الكَواكِب التي لا تُنير مع وجودِها في الكَون، وفيه تَنبيهٌ على أنَّ كَمال العِلمِ ليس للعالِمِ من ذَاتِه، بل بما تَلقَّاه عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، كنورِ القَمر؛ فإنَّه مُستفَادٌ من نُورِ الشَّمسِ.
والعلماء هم ورثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والأنبياء لم يورثوا الدينار والدرهم بل تركوا ميراثًا عظيمًا وهو العلم، فالذي يأخذ هذا الميراث قد أخذ بَنَصيبٍ تامٍ وكامِلٍ، وبحسب اجتهاد المسلم يكون نصيبه من العلم.
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه:114].
قال الشيخ السعدي رحمه الله: ولما كانت عجلته صلى الله عليه وسلم، على تلقف الوحي ومبادرته إليه، تدل على محبته التامة للعلم وحرصه عليه، أمره الله تعالى أن يسأله زيادة العلم، فإن العلم خير، وكثرة الخير مطلوبة، وهي من الله، والطريق إليها الاجتهاد، والشوق للعلم، وسُؤال الله، والاستعانة به، والافتقار إليه في كل وقت. [تيسير الكريم الرحمن].
تَـعَـلَّم فَلَيسَ المرءُ يولَدُ عالِمًا وَلَيـسَ أَخـو عِـلمٍ كَـمَـن هُـوَ جاهِلُ
وَإِنَّ كَـبـيرَ القَومِ لا عِلمَ عِندَهُ صَغيرٌ إِذا اِلتَفَّت عَلَيهِ الجَحافِلُ
وَإِنَّ صَغيرَ القَومِ إِن كانَ عالِمًا كَـبـيـرٌ إِذا رُدَّت إِلَيـهِ المحافِلُ
كان من هديه صلى الله عليه وسلم أنه يسأل الله تعالى العلم النافع، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه: أنَّ رسولَ اللهِ كان يقولُ: «اللَّهُمَّ انفَعْني بما عَلَّمتَني، وعلِّمْني ما يَنفعُني، وارزُقْني عِلمًا تَنفعُني به». [السلسلة الصحيحة (3151) وأخرجه النسائي في السنن الكبرى (7868)، والطبراني في الدعاء (1405)، والحاكم في مستدركه (1879) وقال: صحيح على شرط مسلم].
ولابد لمن تعلم أن يعمل بعلمه، قال ابنُ مسعودٍ رضي الله عنه: تعلَّموا، تعلَّموا فإذا علمتُم فاعمَلوا. [اقتضاء العلم، قال الألباني: إسناده موقوف حسن].
ولابد من رد العلم لله عند عدم معرفة الحكم فتقول: الله أعلم، وها هي قصة موسى عليه السلام والخضر في كتاب الله تعالى واضحة بينة، أساسها هو معاتبة الله عز وجل لموسى عليه السلام لعدم رده العلم له، فقد سئل: «هلْ في الأرْضِ أحَدٌ أعْلَمُ مِنْكَ؟ قالَ: لَا، فَعَتَبَ عليه إذْ لَمْ يَرُدَّ العِلْمَ إلى اللَّهِ». [رواه البخاري (4720)].
فلم يرض الله تعالى بقول موسى عليه السلام وعاتبه عند عدم علمه بحقيقة الأمر أنه لم يرد العلم لله عز وجل، فإنه ما من عالم إلا والله تعالى أعلم منه، قال الله تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:76]، قال ابن عباس رضي الله عنهما: يكون هذا أعلم من هذا، وهذا أعلم من هذا، والله فوق كل عالم. [تفسير ابن كثير (4/402)].
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.
الخطبة الثانية:
الخطورة تكمن يا عباد الله في الفتوى بلا علم، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل:116].
الفتوى بغير علم منكر عظيم، وهو مما حرمه الله على عباده، وجعل مرتبته فوق الشرك، قال سبحانه في سورة الأعراف: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:33]، فالواجب على طالب العلم أن يتقي الله، وأن يحذر القول على الله بغير علم، وإذا كان هذا في حق طالب العلم فكيف بغيره، لا يجوز لأحد أن يفتي بغير علم، لا رجل، ولا امرأة، ولا طالب علم، ولا غيره، يجب على المؤمن أن يتقي الله، وأن يخاف الله سبحانه، وألا يتكلم في الحلال والحرام إلا بعلم، قال الله سبحانه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف:108]، يعني: على علم.
وأخبر سبحانه في سورة البقرة أن الفتوى بغير علم مما يأمر به الشيطان، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:168 -169]، هذا من أمر الشيطان، يأمر الناس أن يقولوا على الله ما لا يعلمون.
فالواجب على كل مؤمن ومؤمنة الحذر من طاعة الشيطان في القول على الله بغير علم، والفتوى بغير علم، لا في العبادات، ولا في غيرها، يقول الله سبحانه: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:43]، فالفتوى تكون من أهل الذكر، يعني: من أهل العلم بالقرآن العظيم، والسنة المطهرة، العلماء بكتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وهم الذين يُفتون الناس، وهم الذين يُسألون. [فتوى الشيخ ابن باز رحمه الله – نور على الدرب – خطر الفتوى بغير علم].
اللَّهُمَّ انفَعْنا بما عَلَّمتَنا، وعلِّمْنا ما يَنفعُنا، وارزُقْنا عِلمًا تَنفعُنا به يا رب العالمين.