قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا * أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا * كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا * وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ [مريم:77-80].
أخرج البخاري ومسلم رحمهما الله من حديث خباب بن الأرت رضي الله عنه قال: كنت رجلاً قَيّنًا – أي حدادًا – وكان لي على العاص بن وائل دينٌ، فأتيته أتقاضاه، فقال: لا والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد، فقلت: والله لا أكفر بمحمد حتى تموت ثم تبعث، قال: فإني إذا متّ، ثم بُعثت، جئتني ولي مالٌ وولدٌ فأُعطيكَ، فأنزل الله فيه هذه الآية (أَطَّلَعَ الْغَيْبَ..). فكان غناه وثراؤه في الدنيا سبب في عُتوه وكفره وطغيانه حتى مات إلى جهنم وبئس المصير.
هذا مثل من الأمثلة التي ذكرها الله عز وجل لنا في كتابه يا عباد الله عمن أطغاه ترفه وغناه، حتى وصل إلى معصية الله تعالى واغتر بما يملك فظن أنه لن يحاسب على مارزقه الله عز وجل من نعيم في الدنيا، فها هو صاحب الجنتين قال: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا﴾ [الكهف:36]، وقارون: ﴿ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص:78].
عباد الله: قال الله: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص:77]، ولكن هذا لا يعني أن ننغمس في الدنيا ومباحاتها وننسى العمل للآخرة، فإنك يا عبدالله قد حصل عندك من وسائل الآخرة ما ليس عند غيرك من الأموال، فابتغ بها ما عند اللّه، وتصدق ولا تقتصر على مجرد نيل الشهوات، وتحصيل اللذات، ولا نأمرك أن تتصدق بجميع مالك وتبقى ضائعا، بل أنفق لآخرتك، واستمتع بدنياك استمتاعا لا يُثْلِمُ دِينكَ، ولا يَضرُّ بآخرتك، ﴿وَأَحْسَنُ﴾ إلى عباد اللّه ﴿كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ بهذه الأموال، ﴿وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ﴾ بالتكبر والعمل بمعاصي اللّه والاشتغال بالنعم عن المنعم -جل وعلا-، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ بل يعاقبهم على ذلك، أشد العقوبة. [تيسير الكريم الرحمن للسعدي بتصرف].
النَفسُ تَبكي عَلى الدُنيـــا وَقَد عَلِمَت *** أنَّ السَلامَةَ فيها تَركُ ما فيهـــــــا
لا دارَ لِلمَرءِ بَعدَ الموتِ يَسكُنُهــــا *** إِلّا الَّتي كانَ قَبلَ الموتِ بانيهــــــا
فَإِن بَناها بِخَيرٍ طابَ مَسكَنُهــــــا *** وَإِن بَناها بَشَرٍّ خابَ بانيهـــــــــــا
أَينَ الملوكُ الَّتي كانَت مُسَلطَنَــــةً *** حَتّى سَقاها بِكَأسِ المَوتِ ساقيهـــا
أَموالُنا لِذَوي الميراثِ نَجمَعُهـــــا *** وَدورُنا لِخرابِ الدَهرِ نَبنيهـــــــــا
كَم مِن مَدائِنَ في الآفــاقِ قَد بُنِيَت *** أمسَت خَراباً وَدانَ الموتُ دانيهــا
وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لابد فاعلاً فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه» [رواه الترمذي وحسنه].
وفي هذا معنى بليغ يا عباد الله فإن الإنسان إذا تجاوز قدر ما يحتاجه من الطعام والشراب سولت له نفسه باقي شهواته، فدخل في المحرم، من زنى العين والفرج والعياذ بالله.
عافانا الله وإياكم من كل معصية.
أقول ماتسمعون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه…
الخطبة الثانية:
قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء:35].
قال ابن عباس رضي الله عنهما: نختبركم بالشدة والرخاء، والصحة والسقم، والغنى والفقر، والحلال والحرام، والطاعة والمعصية، والهدى والضلالة. [انظر زبدة التفسير].
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم، وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الإيمان إلا من أحب، فمن ضن بالمال أن ينفقه، وخاف العدو أن يجاهده، وهاب الليل أن يكابده، فليكثر من قول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر» [رواه ابن أبي شيبة في مصنفه وصححه الألباني في الصحيحة].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ» [رواه الترمذي].
اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ولا إلى النار طريقنا، واجعل الجنة هي دارنا وقرارنا يا رب العالمبن.