كان إبراهيم النخعي رحمه الله أعور العين، وكان تلميذه سليمان بن مهران رحمه الله أعمش العين (يعني ضعيف البصر)، وقد روى عنهما ابن الجوزي رحمه الله: أنهما سارا في إحدى طرقات الكوفة يريدان الجامع، وبينما هما يسيران في الطريق؛ قال الإمام النخعي: يا سليمان هل لك أن تأخذ طريقًا وآخذ آخر فإني أخشى إن مررنا سويًا بسفهائها (أي سفهاء الكوفة)، ليقولون أعور ويقود أعمش فيغتابوننا ويأثمون. فقال الأعمش: يا أبا عمران؛ وما عليك أن نؤجر ويأثمون؟ فقال إبراهيم النخعي: يا سبحان الله! بل نسلم ويَسلمون خيرٌ من أن نُؤجر ويأثمون. [كتاب المنتظم].
يالها من نفوس عظيمة ويالها من أخلاق عالية؟ نفوس تتعالى عن سفاسف الأمور وتتسابق إلى معالي الأمور!
إنها قلوب تزينت بالإيمان حتى حلّقت في السماء لتصل بأصحابها إلى أعالي الجنان، إنها قلوب تشربت ووعت قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لَا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ، حتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» [متفق عليه].
وشهر رمضان يا عباد الله مدرسة للأخلاق الحسنة، يتربى فيه المسلم على محاسنها ويبتعد عن مساوئها، قال عليه الصلاة والسلام: «إذَا كانَ يَوْمُ صَوْمِ أحَدِكُمْ فلا يَرْفُثْ ولَا يَصْخَبْ، فإنْ سَابَّهُ أحَدٌ أوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: إنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ» [رواه البخاري ومسلم].
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن المؤمنَ لَيُدْرِكُ بحُسْنِ خُلُقِه درجةَ الصائمِ القائم» [رواه أبوداود].
فانظر إلى هذا الأجر العظيم يا عبد الله، بمجرد أن يحسن المسلم أخلاقه يحصل على أجر صائم النهار وقائم الليل! ياله من أجر لمن يحرص على حسن الخلق ياعباد الله!
وذلك لأنَّ الذي يُحسِّن خُلَقه مع الناسِ مع اختِلافِ طَبائعِهم يُجاهِدُ نفوسًا كثيرةً، وذلك بكَفِّ الأذَى عنهم، وبَذْلِ العَطاءِ لهم، وطلاقةِ الوَجهِ مع الصَّبرِ على أذاهم.
ولايمكن أن يُتصور يا عباد الله دين بدون خلق، ولا عبادة بدون خلق، كان عبدالله بن المبارك العابد الزاهد إذا أراد الحج من بلده جمع أصحابه وتخير الفقراء والمحتاجين، وقال: من يريد منكم الحج؟ فيأخذ منهم نفقاتهم فيضعها عنده في صندوق، ويُقفل عليه ثم يحملهم وينفق عليهم أوسع النفقة، ويطعمهم أطيب الطعام، ثم يشتري لهم من مكة ما يريدون من الهدايا والتحف، ثم يرجع بهم إلى بلده، فإذا وصلوا صنع لهم طعامًا ثم جمعهم عليه، ودعا بالصندوق الذي فيه نفقاتهم فرد إلى كل واحد نفقته.
يالها من أخلاق! حتى وإن كان فقيرًا أو مسكينًا أو محتاجًا تجب صيانة كرامته، والحفاظ على نفسيته أن تخدش بموقف أو كلمة، ولذلك كان صلى الله عليه وسلم يدعو إلى صدقة السر فيقول: «صنائع المعروف تقي مصارع السوء، وصدقة السر تُطفئ غضبَ الربِّ، وصِلَةُ الرَّحِم تزيد في العمر» [رواه الطبراني في “الكبير” بإسناد حسن كما قال الشيخ الألباني في صحيح الترغيب والترهيب].
وقال عليه الصلاة والسلام: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى في ظِلِّهِ يَومَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ: – وذكر منهم – ورَجُلٌ تَصَدَّقَ بصَدَقَةٍ فأخْفَاهَا حتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ ما تُنْفِقُ يَمِينُهُ» [رواه البخاري].
ويقول جل وعلا: ﴿إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة:271]، إن تعلنوا الصدقات فتعطوها من تصدقتم بها عليه فنعم الشيء هي، وإن تستروها فلم تعلنوها وتعطوها الفقراء في السر فإخفاؤكم إياها خير لكم من إعلانها. [جامع التأويل للطبري بتصرف].
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور والرحيم.
الخطبة الثانية:
شهر رمضان يا عباد الله شهر الأخلاق ففيه نتعلم الصبر، وكظم الغيظ، والعفو عن الناس، والإحسان، والمودة، والرحمة، والبر وغيرها من أخلاق الإسلام، وبشارة من النبي صلى الله عليه وسلم لكل من حرص على حسن الخلق أنه قال: «أنا زعيمٌ ببَيْتٍ في رَبَضِ الجَنَّةِ لِمَن ترَك المِراءَ وإنْ كان مُحِقًّا، وببَيْتٍ في وسَطِ الجَنَّةِ لِمَن ترَك الكَذِبَ وإن كان مازحًا، وببَيْتٍ في أعلى الجَنَّةِ لِمَن حَسُنَ خُلُقُه» [رواه أبوداود]. قال الإمام الشافعي رحمه الله:
لما عفوت ولم أحقد على أحدٍ *** أرحت نفسي من هم العـــــداوات
إني أحيي عدوي عند رؤيتـــــه *** أدفع الشر عني بالتحيـــــــــــــات
وأظهر البشر للإنسان أبغضــه *** كما أن قد حشى قلبي محبــــــات
الناس داء ودواء النــاس قربهم *** وفي اعتزالهم قطع المــــــودات
فاللهم اجعلنا ممن حسن خلقه وعمله يا رب العالمين، هذا واعلموا عباد الله أن الله تعالى قال قولا كريمًا تنبيهًا لكم وتعليمًا وتشريفًا لقدر نبيه وتعظيمًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾…