قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:30]، فما يصيبكم أيها الناس من مصيبة في الدنيا في أنفسكم وأهليكم وأموالكم فإنما يصيبكم ذلك عقوبة من الله لكم بما اجترمتم من الآثام فيما بينكم وبين ربكم ويعفو لكم ربكم عن كثير من إجرامكم، فلا يعاقبكم بها. [جامع التأويل للطبري].
ومن المصائب التي يصرخ منها الناس ويطلبون زوالها الفساد في البلاد، قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: 41]، فظهور الفساد إنما هو بسبب تهاون الناس واتباعهم لأهوائهم لا لدينهم.
عباد الله: تريدون صلاحا للبلاد والعباد اختاروا المصلحين، أما أن تختاروا المفسدين ثم تطلبون صلاحا للعباد والبلاد فهذا مُحال لن يكون، وهذا حاله كحال من وصفه الشاعر بقوله:
طُبعتْ على كدرٍ وأنت تريدها ** صفواً من الأقذاء والأكدار
ومُكلّفُ الأيّام ضــد طباعـــها ** مُتطلبٌ في الماء جذوة نار
ويقول الله تعالى وهو أحكم القائلين: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال:53].
وحذرنا جل وعلا من فعل يخالف أقوالنا فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 2، 3].
نصرخ فساد وفساد، ولكننا نرشح الفاسدين المفسدين، كيف يصلح حال البلاد والعباد إن رشحنا المفسدين يا عباد الله؟!
لنعلم يا عباد الله بأن الله عز وجل أوصانا بأن نختار القوي الأمين فقال: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص:26]، ويجب أن نعرف أن كل ولاية وعمل لا بد فيه من ركنين: القوة والأمانة، القوة على ذلك العمل، والأمانة فيه، فالعمل الذي يتطلب العلم لا بد أن يكون المتولي له عالماً، والذي يعتمد قوة البدن لا بد أن يكون متوليه قوي البدن، ولا بد أن يكون أمينًا؛ لأن من ليس بأمين لا يمكن أن ينفذ العمل على الوجه المرضي، ويدل على هذين الركنين قول العفريت من الجن لسليمان عليه السلام لما قال: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ [النمل:39]، فكل عمل وكل ولاية لا بد فيها من هذين الركنين: القوة والأمانة. [الشرح الممتع (15/271) بتصرف].
وقال تعالى على لسان يوسف عليه السلام: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:55]، أي: حفيظ للذي أتولاه، فلا يضيع منه شيء في غير محله، وضابط للداخل والخارج، عليم بكيفية التدبير والإعطاء والمنع، والتصرف في جميع أنواع التصرفات، وليس ذلك حرصًا من يوسف – عليه السلام – على الولاية، وإنما هو رغبة منه في النفع العام، وقد عرف من نفسه من الكفاءة والأمانة والحفظ ما لم يكونوا يعرفونه.
فلذلك طلب من الملك أن يجعله على خزائن الأرض، فجعله الملك على خزائن الأرض وولاه إياها. [تيسير الكريم الرحمن].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: اجتماع القوة والأمانة في الناس قليل، ولهذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: اللهم أشكو إليك جلد الفاجر، وعجز الثقة، فالواجب في كل ولاية، الأصلح بحسبها، فإذا تعين رجلان أحدهما أعظم أمانة، والآخر أعظم قوة، قُدم أنفعهما لتلك الولاية؛ وأقلهما ضررًا فيها، فيُقدم في إمارة الحرب الرجل القوي الشجاع، وإن كان فيه فجور فيها، على الرجل الضعيف العاجز، وإن كان أمينًا، كما سئل الإمام أحمد -رحمه الله-: عن الرجلين يكونان أميرين في الغزو، وأحدهما قوي فاجر والآخر صالح ضعيف، مع أيهما يغزو؟ فقال: أما الفاجر القوي، فقوته للمسلمين، وفجوره على نفسه، وأما الصالح الضعيف فصلاحه، لنفسه، وضعفه على المسلمين، فيغزى مع القوي الفاجر. [السياسة الشرعية ص19].
إذا لابد أن نختار يا عباد الله القوي الأمين، قوي في أدائه للعمل أمين فيه، وأنتم من تقررون مصير هذه البلاد، إما إلى فساد أو إلى صلاح، ولنتذكر جميعا قوله سبحانه وتعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عِمران:165]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [يونس: 44].
ولنتذكر كذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «الكَيِّسُ مَن دان نفسَه وعمِل لما بعدَ المَوتِ والعاجِزُ مَن أتبَعَ نفسَه هواها وتمنَّى على اللهِ» [رواه الترمذي وقال: حسن].
أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه…
الخطبة الثانية:
عباد الله: إن القاعدة الشرعية والسنة الكونية تؤكِّد أن من عمل خيرًا لقي خيرًا، ومن عمل شرًّا لقي شرًّا؛ قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7، 8]، فالجزاء من جنس العمل، وهذا يجعل الإنسان المسلم يحتاط لنفسه من الوقوع في المعاصي والذنوب؛ لأنه سيعاقب عليها إما عاجلًا وإما آجلًا، إلا أن يتداركه الله تعالى بواسع رحمته وعفوه، وفي المقابل يجب أن يحرص ويسعى جاهدًا في الإكثار من عمل الخير؛ فهو طريق الفلاح في الدنيا والآخرة.
قال صلى الله عليه وسلم: «منِ التمسَ رضا اللَّهِ بسَخطِ النَّاسِ كفاهُ اللَّهُ مؤنةَ النَّاسِ، ومنِ التمسَ رضا النَّاسِ بسخطِ اللَّهِ وَكلَهُ اللَّهُ إلى النَّاسِ» [رواه الترمذي وقال: صحيح]. فهل سنلتمس رضا الله عز وجل بسخط الناس ونرشح الصالحين؟ اللهم أصلح أحوالنا وبلغنا مما يرضيك آمالنا واختم بالصالحات أعمالنا وبالسعادة آجالنا يا رب العالمين، اللهم ولّ علينا خيارنا ولا تولّ علينا شرارنا يا رب العالمين…