خطبة العفو والإصلاح

    قال سبحانه وتعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [الشورى:40]. في هذه الآية الكريمة بيان لمراتب العقوبات، وأنها على ثلاث مراتب: عدل، وفضل، وظلم.

     فقول الله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ هي مرتبة العدل: جزاء السيئة بسيئة مثلها، لا زيادة ولا نقص، فالنفس بالنفس، وكل جارحة بالجارحة المماثلة لها، والمال يُضمن بمثله، والعدل قامت عليه السماوات والأرض وكل الخلق، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:90]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: 58].

     ومن فضل الله علينا يا عباد الله أنه لم يحاسبنا على نياتنا إن كانت سيئة بل على الأفعال السيئة فقط، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رضي الله عنهما عَنْ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، قَالَ: «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ، ثُمَّ بَيَّنَ ذلكَ، فمَن هَمَّ بحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْها، كَتَبَها اللَّهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كامِلَةً، وإنْ هَمَّ بها فَعَمِلَها، كَتَبَها اللَّهُ عزَّ وجلَّ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَناتٍ إلى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ إلى أضْعافٍ كَثِيرَةٍ، وإنْ هَمَّ بسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْها، كَتَبَها اللَّهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كامِلَةً، وإنْ هَمَّ بها فَعَمِلَها، كَتَبَها اللَّهُ سَيِّئَةً واحِدَةً» [رواه البخاري ومسلم واللفظ له].

     ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ وهذه هي مرتبة الفضل: العفو والإصلاح عن المسيء، ولهذا قال: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:40]، يجزيه أجرًا عظيمًا، وثوابًا كثيرًا، وشَرطَ اللهُ في العفوِ الإصلاحُ فيه؛ ليدُلَّ ذلك على أنَّه إذا كان الجاني لا يليق العفوُ عنه، وكانت المصلحة الشرعية تقتضي عقوبتُه، فإنه في هذه الحال لا يكون مأمورًا به، إذا لابد من مراعاة المصلحة الشرعية في العفو من عدمه، وفي جعل أجر العافي على الله ما يُهيِّج على العفو، وأن يعاملَ العبدُ الخلقَ بما يُحب أن يُعامِلَهُ اللهُ به، فكما يُحب ُّأن يَعفو اللهُ عنه، فَلْيَعْفُ عنهم، وكما يُحب أن يُسامحه الله، فليسامحهم؛ فإنَّ الجزاء من جنس العمل. [تيسير الكريم الرحمن بتصرف].

     عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًّا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله» [رواه مسلم]. قال الإمام الشافعي رحمه الله:

أُحِبُّ مِنَ الإِخوان كُلَّ مُواتي    ***        وَكُلَّ غَضيضِ الطَرفِ عَن عَثَراتي

يُوافِقُني في كُلِّ أَمرٍ أُريــــــــدُهُ  ***        وَيَحفَظُني حَيّاً وَبَعدَ مَمــــــــــــــاتي

ونحن نسأل الله دائما أن يعفو عنا فلنعف عن خلقه يا عباد الله.

     قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:22]. قال الصديق رضي الله عنه عندما سمع هذه الآية: بلى، والله إنَّا نحبُّ أن تغفر لنا. [تفسير القرآن العظيم].           فاللهم اغفر لنا يا رب العالمين.

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه…

الخطبة الثانية:

     إن المرتبة الثالثة من مراتب العقوبات هي مرتبة الظلم: فقد ذكرها جل وعلا بقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾، الذين يجنون على غيرهم ابتداءً، أو يُقابلون الجاني بأكثر من جنايته، فالزيادة ظلم. [تيسير الكريم الرحمن بتصرف].

     قال صلى الله عليه وسلم: «اتَّقُوا الظُّلْمَ، فإنَّ الظُّلْمَ ظُلُماتٌ يَومَ القِيامَةِ» [رواه مسلم]، والله عز وجل لا يحب الظالمين، فقال: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران:57]، ولنحذر أن نأتي الله تعالى وقد ظلمنا أحدًا يا عباد الله، قال صلى الله عليه وسلم: «مَن كَانَتْ له مَظْلَمَةٌ لأخِيهِ مِن عِرْضِهِ أَوْ شيءٍ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ منه اليَومَ، قَبْلَ أَنْ لا يَكونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إنْ كانَ له عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ منه بقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وإنْ لَمْ تَكُنْ له حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِن سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عليه» [رواه البخاري ومسلم واللفظ له]، إذ القِصاصُ يومَها بالحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ؛ بأنْ يَأخُذَ هذا المظلومُ ممَّن ظَلَمَه مِن ثَوابِ عَمَلِه الصَّالحِ يومَ القيامةِ، بقدْرِ مَظلِمتِه التي ظُلِمَها، فإنْ لم يكُنْ للظَّالِمِ حَسَناتٌ وُضِعَ مِن سيِّئاتِ هذا المظلومِ على الظَّالِمِ.

     والله عز وجل لا يحب أهل الظلم الذين يتعدّون على الناس، فيسيئون إليهم بغير ما أذن الله لهم فيه. [الطبري بتصرف]، فأمر بالعدل، وندب إلى الفضل، ونهى من الظلم. [ابن كثير].

اللهم اجعلنا من أهل العدل والفضل وأبعدنا عن الظلم يا رب العالمين.