خطبة الظن أكذب الحديث

     عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إياكم والظنَّ، فإنَّ الظنَّ أكذب الحديث» [متفق عليه].

     وهذا الحديث يوافق قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: 12].

     قال العلماء: وليس كل الظن إثما، فالظن المبني على قرائن تكاد تكون كاليقين لا بأس به، وأما الظن الذي بمجرد الوهم فإن ذلك لا يجوز، فلو فرضنا أن رجلا رأى مع رجل آخر امرأة، والرجل هذا ظاهره العدالة، فإنه لا يحل له أن يتهمه بأن هذه المرأة أجنبية منه؛ لأن هذا من الظن الذي يأثم به الإنسان.

   أما إذا كان لهذا الظن سببٌ شرعي فإنه لا بأس به ولا حرج على الإنسان أن يظنه، والعلماء قالوا: يحرم ظن السوء بمسلم ظاهره العدالة. (ابن عثيمين – فتاوى إسلامية).

     ومن صور ظن السوء المنهي عنه: أنه قد يتوهم البعض، أو يزين له الشيطان أن فلانا يبغضه فيبني على هذا عداوة وشحناء في الصدر، وعدم صفاء تجاه أخيه المسلم.

     والبعض يسيء الظن بزوجته بدافع الغيرة ويتشكك في زوجته ويُفسر كل سلوك على أنه خيانة أو سوء أخلاق منها، وقد يقع هذا من الزوجة أيضًا تجاه زوجها.

     وقد يتناقل الناس عن فلان أنه متهم في دينه، أو أن هؤلاء القائمين على الجهة الفلانية يأكلون المال بغير حق، فيضرون إخوانهم ويشوهون صورة المجتمع المسلم.

     والظن والتخمين يا عباد الله أوقع كثيرين في العداوة والبغضاء، ففشت بينهم الأحقاد، وساءت المعاملات فيما بينهم، وظهر الحسد والبغضاء، كل ذلك مبناه على أخبار وهمية ظنوها صادقة وليس لها حقيقة.

     وفي قصة حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه لما كتب إلى أهل مكة يُفشي إليهم خبر النبي صلى الله عليه وسلم في فتح مكة ثم اعتذر، أراد عمر أن يقتله وقال: إن الرجل قد نافق، وكان ذلك مبنيا على الظن، ولكن قَبِلَ النبي صلى الله عليه وسلم منه عُذره وحُسن نيته، ومنع عمر من البناء على ذلك الظن؛ لأنه ظن خاطئ.

     وعن صفية بنت حيي رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم معتكفًا، فأتيته أزوره ليلًا، فحدثته، ثم قمت لأنقلب، فقام معي ليقلبني، وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد، فمر رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي صلى الله عليه وسلم أسرعا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «على رسلكما، إنها صفية بنت حيي». فقالا: سبحان الله يا رسول الله، قال: «إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شرًا» أو قال: «شيئًا». [متفق عليه].

     فبين صلى الله عليه وسلم لنا استحباب التحرز من التعرض لسوء ظن الناس، وطلب السلامة، والاعتذار بالأعذار الصحيحة، وأنه متى فعل الإنسانُ ما قد يُنكر ظاهره مما هو حق، وقد يخفى على الناس، لابد أن يبين حاله ليدفع ظنَّ السوء عنه. [شرح النووي على مسلم (14/156- 157) بتصرف].

     قال تعالى: ﴿وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم:28].

قال ابن كثير رحمه الله: أي: ليس لهم علم صحيح يُصدق ما قالوه، بل هو كذب وزور وافتراء. [تفسير القرآن العظيم].

أقول قولي هذا …

الخطبة الثانية:

     قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحجرات: 12]. في هذه الآية الكريمة ترتيب عجيب لأن الإنسان إذا ظن السوء سينتقل إلى مرحلة أخرى وهي التجسس ليتأكد ثم بعد التجسس سوف يغتاب ذلك الرجل بذكر معايبه.

     فبعضها يجر بعضا، فانظر إلى هذا التسلسل العجيب لأن الله هو الخالق لهذا الإنسان وهو العالم به وبنفسه، فيجب على الإنسان أن يغلق أبواب الشر على نفسه لأنه إذا فتح باب الظن انفتح بابُ التجسس ثم إذا امتلأ القلب بهذه الأمور المنكرة أصبح يُفرِّغها في المجالس التي يجلس فيها فيقع في الغيبة.

     وعن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس أفسدهم» [رواه أبوداود وحسنه ابن حجر وصححه الألباني].

     قال العلماء: أي: طلب الريبة، أي: التهمة في الناس بنية فضحهم أفسدهم وما أمهلهم، وجاهرهم بسوء الظن فيها، فيؤدي ذلك إلى ارتكاب ما ظن بهم ورماهم به ففسدوا…بل لابد أن يستر عيوبهم، ويتغافل ويصفح، ولا يتبع عوراتهم، ولا يتجسس عليهم. [فيض القدير: (2/323) بتصرف].

     قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ، وَلَمْ يَدْخُلِ الْإِيمَانُ قَلْبَهُ: لَا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنِ اتَّبَعَ عَوْرَاتِهِمْ يَتَّبِع اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ يَتَّبِعِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ فِي بَيْتِهِ» [رواه أحمد وأبو داود وصحّحه ابن حبّان والألباني].

اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا واحفظنا من بين أيدينا…