عباد الله إن الناظر إلى أحوال الناس في هذا الوقت ليجد أن كثيرًا منهم قد ابتعد عن الصلاة في بيوت الله عز وجل، بحجة الحفاظ على النفس، ومنهم من سولت له نفسه وأغواه شيطانه فكسل عن الذهاب لبيت الله عز وجل، وفي المقابل تجد نفس الشخص يسابق غيره في الذهاب للأعراس المزدحمة بالناس، أو الأسواق المكتظة، أو حتى في عمله يجلس في جماعات يتحدث ولايبالي بأن يصاب أو لايصاب بهذا الوباء!، تناقض عجيب وفي حقيقته استدراج من الشيطان لإبعاد المسلم عن بيت الله عز وجل، ناسيا وغافلا عن قول اله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ ۞ رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: 36-37]، وعن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَن غَدَا إلى المَسْجِدِ ورَاحَ، أعَدَّ اللَّهُ له نُزُلَهُ مِنَ الجَنَّةِ كُلَّما غَدَا أوْ رَاحَ» [رواه البخاري ومسلم]، وكذلك قد غفل عن قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «أَحَبُّ البِلَادِ إلى اللهِ مَسَاجِدُهَا، وَأَبْغَضُ البِلَادِ إلى اللهِ أَسْوَاقُهَا» [رواه مسلم]، فالمساجدُ محلُّ نُزولِ رَحمةِ اللهِ عزَّ وجلَّ وفضلِه، لذا كانتِ أحبَّ البِلادِ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ لأنَّها بيتُ الطَّاعَةِ، يُقرأ فيها القُرآن، ويُنشَر فيها العِلمُ، وقد أضافها اللهُ لنفسِه إضافةَ تَشريفٍ وتعظيمٍ، فقال: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن: 18]، وعلى العَكسِ مِن ذلكَ الأَسواقُ؛ فهيَ محلُّ أفعالِ الشَّيطانِ مِن الطَّمَعِ والغَفلَةِ؛ فهي أبغضُ البِلادِ إلى الله عزَّ وجلَّ؛ لكَثرةِ الحَلِفِ الكاذِبِ فيها، والغشِّ والخِداعِ، والغَفلةِ عن ذكْرِ اللهِ سُبحانه وتَعالى وإخلافِ الوَعدِ، وسُوءِ المعامَلةِ، وغيرِ ذلكَ. [موقع الدرر السنية بتصرف].
ثم اعلم يا عبدالله بأن الله عز وجل يفرح بجلوسك في المسجد، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما تَوَطَّنَ رجلٌ مسلمٌ المساجِدَ للصلاةِ والذكْرِ، إلَّا تَبَشْبَشَ اللهُ لَهُ منْ حينِ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ، كَمَا يتَبَشْبَشُ أهلُ الغائِبِ بغائِبِهِمْ، إذا قدِمَ علَيْهم» [رواه ابن ماجه (800) واللفظ له، وأحمد (8350)]، فمن اعتاد الذَّهابَ إلى المساجِدِ، وجعَلَ المسجِدَ كالوطَنِ له يألُفُه ويُقيمُ به ويرتاحُ إليه، «إلَّا تَبَشْبَشَ اللهُ له مِن حينِ يخرُجُ مِن بيتِه»، أي: فرِحَ به وأقبَلَ عليه وتلقَّاه ببِرِّه وإكْرامِه سبحانه وتعالى، بصفة تليق بجلاله سبحانه وتعالى، بل إن كرم الله عز وجل كبير على العباد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من رجلٍ كان توطَّن المساجدَ، فشغله أمرٌ أو عِلَّةٌ ثم عاد إلى ما كان إلا يتبَشْبَشُ اللهُ إليه كما يَتَبَشْبَشُ أهلُ الغائبِ بغائبِهم إذ أقدم» [صحيح الترغيب (327)]، يعني حتى لو شُغلت عن المسجد وقد كنت اعتدت على الذهاب إليه فشُغلت بأمر أو مرض ثم عدت إلى المسجد إلا تبشبش الله إليك، فاللهم ارزقنا كرمك وبرك يارب العالمين.
وبشارة النبي صلى الله عليه وسلم لنا الثانية أن مَن حبَسَ نفْسَه في المساجِدِ على الطَّاعةِ فهو مُرابِطٌ لها في سَبيلِ اللهِ، مُخالِفٌ لِهَواها، وهذا مِن أفضَلِ أنواعِ الصَّبرِ والجِهادِ؛ ولذلك كان حَرِيًّا بهذا الفَضلِ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 200]، قال ابن كثير رحمه الله: وأما المرابطة فهي المداومة في مكان العبادة والثبات. وقيل: انتظار الصلاة بعد الصلاة. [تفسير القرآن العظيم].
وقال صلى الله عليه وسلم: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة؛ فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط» [رواه مسلم]. أقول…
الخطبة الثانية:
إن بشارة النبي صلى الله عليه وسلم لنا الثالثة يا عباد الله هي أن المسلم الذي يلتزم بيت الله عز وجل يُشهد له بالإيمان والتقى، عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «المسجد بيت كل تقي، وتكفل الله لمن كان المسجد بيته بالروح والرحمة، والجواز على الصراط إلى رضوان الله إلى الجنة» [رواه الطبراني، وصححه الألباني في الترغيب والترهيب (1/176)]، اللهم ارزقنا ذلك يا رب العالمين، وكتب سلمان رضي الله عنه إلى أبي الدرداء رضي الله عنه فقال: يا أخي، عليك بالمسجد فالزمه، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «المسجد بيت كل مؤمن» [رواه الطبراني في الكبير (6/313) وحسنه الألباني في صحيح الجامع (11648)]، والبشارة الرابعة هي قوله صلى الله عليه وسلم: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله – فذكر منهم – ورجل قلبه معلق في المساجد» [رواه البخاري]، فاحرص على أن يظلك الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله جل وعلا، والبشارة الخامسة من النبي صلى الله عليه وسلم لنا هي قوله: «أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَغْدُوَ كُلَّ يَومٍ إلى بُطْحَانَ، أَوْ إلى العَقِيقِ، فَيَأْتِيَ منه بنَاقَتَيْنِ كَوْمَاوَيْنِ في غيرِ إثْمٍ، وَلَا قَطْعِ رَحِمٍ؟» – يعني أيكم يحب أن يذهب لأحد أودية المدينة فيأتي بناقتين عظيمتي السنام بلا سرقة ولا قطيعة رحم- قال عقبة رضي الله عنه: فَقُلْنَا: يا رَسولَ اللهِ، نُحِبُّ ذلكَ، قالَ: «أَفلا يَغْدُو أَحَدُكُمْ إلى المَسْجِدِ فَيَعْلَمُ، أَوْ يَقْرَأُ آيَتَيْنِ مِن كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، خَيْرٌ له مِن نَاقَتَيْنِ، وَثَلَاثٌ خَيْرٌ له مِن ثَلَاثٍ، وَأَرْبَعٌ خَيْرٌ له مِن أَرْبَعٍ، وَمِنْ أَعْدَادِهِنَّ مِنَ الإبِلِ». [رواه مسلم].
فهل نكسل يا عباد الله عن تحصيل هذا الأجر العظيم؟! وأنت جالس في المسجد اقرأ ولو آية واحدة ولاتنشغل بشيء غير عبادة الله تعالى، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك يا رب العالمين، الله اغفر لنا أجمعين…