خطبة الحياة الحقيقية

     قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:58].

     الحمد الذي أتم علينا النعمة، وأعاد الصفوف في المساجد وأزال الغمة، نحمد جل وعلا فهو المستحق لكل حمد، قال صلى الله عليه وسلم: «ما أنعم اللهُ على عبدٍ نعمةً فقال الحمدُ للهِ إلا كان الذي أعطاهُ أفضلَ مما أخذ» [رواه ابن ماجه (3805)].

     وعود الحياة لطبيعتها يا عباد الله لايعني العودة لمعصية الله تعالى، أو إقامة ما يغضبه جل وعلا، فإن الحياة الحقيقية هي في طاعة الله عز وجل، قال الله: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:7].

     أي: لئن شكرتم نعمتي عليكم لأزيدنكم منها، (وَلَئِن كَفَرْتُمْ) أي: كفرتم النعم وسترتموها وجحدتموها، (إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) وذلك بسلبها عنهم، وعقابه إياهم على كفرها. [ابن كثير].

     قال الشيخ السعدي رحمه الله: والشكر: هو اعتراف القلب بنعم الله والثناء على الله بها وصرفها في مرضاة الله تعالى. وكفر النعمة ضد ذلك.

     إذا هي دعوة لطاعة الله وعدم معصيته جل وعلا، وأن نستغل نعمته في طاعته سبحانه وتعالى، ولنتذكر جميعا قوله تعالى: ﴿وَمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت:64].

     وإن الدار الآخرة لفيها الحياة الدائمة التي لا زوال لها ولا انقطاع ولا موت معها. [الطبري].

     وقال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:185].

     قال الإمام الطبري رحمه الله: يقول تعالى ذكره: ولا تركنوا إلى الدنيا فتسكنوا إليها، فإنما أنتم منها في غرور تُمتَّعون، ثم أنتم عنها بعد قليل راحلون، وقال قتادة رحمه الله: هي متاع متروك توشك أن تضمحل بأهلها؛ فينبغي للإنسان أن يأخذ من هذا المتاع بطاعة الله سبحانه ما استطاع. ولقد أحسن من قال:

هي الدار دار الأذى والقذى                  ودار الفناء ودار الغِيَر

فلو نلتها بحذافيرها لَمُتَّ                      ولم تقض منها الوطر

أيا من يؤمل طول الخلود                      وطولُ الخلود عليه ضرر

إذا أنت شبت وبان الشباب                  فلا خير في العيش بعد الكبر [القرطبي].

      وقال الشيخ السعدي رحمه الله: ومفهوم الآية، أن من لم يزحزح عن النار ويدخل الجنة، فإنه لم يفز، بل قد شقي الشقاء الأبدي، وابتلي بالعذاب السرمدي. [تيسير الكريم الرحمن].

     عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها». قال: ثم تلا هذه الآية: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [رواه ابن مردويه وابن أبي حاتم بلفظ آخر عن أبي هريرة – ابن كثير].

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه…

الخطبة الثانية:

     سئل الإمام أحمد رحمه الله: متى يجد العبد طعم الراحة؟، قال: عند أول قدم يضعها في الجنة. [المقصد الأرشد (2/398)].

     فالإنسان في هذه الحياة بين تعب وراحة، ومرض وصحة، وغنى وفقر، فلايظن أحد بأنه سيكون سعيدًا طوال عمره، أو مرتاحًا كل ساعاته.

طُبِعَت عَلى كدرٍ وَأَنتَ تُريدُها      صَفواً مِنَ الأَقذاءِ وَالأَكدارِ

وَمُكَلِّف الأَيامِ ضِدَّ طِباعِها          مُتَطَّلِب في الماءِ جَذوة نارِ

    نحن لاتقول هذا تقنيطا ولكن هي طبيعة هذه الحياة الفانية، ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾ [الأعلى:17]، ثواب الله في الدار الآخرة خير من الدنيا وأبقى، فإن الدنيا دنية فانية، والآخرة شريفة باقية، فكيف يؤثر عاقل ما يفنى على ما يبقى، ويهتم بما يزول عنه قريبا، ويترك الاهتمام بدار البقاء والخلد؟! [ابن كثير]، وفي الأثر: مَن أَحَبَّ دنياه أَضَرَّ بآخِرَتِه، ومَن أَحَبَّ آخِرَتَه أَضَرَّ بدنياه، فآثِرُوا ما يَبْقَى على ما يَفْنَى. وعن عرفجة الثقفي قال: استقرأت ابن مسعود رضي الله عنه: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ فلما بلغ: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ ترك القراءة، وأقبل على أصحابه وقال: آثرنا الدنيا على الآخرة. فسكت القوم، فقال: آثرنا الدنيا لأنا رأينا زينتها ونساءها وطعامها وشرابها، وزويت عنا الآخرة فاخترنا هذا العاجل وتركنا الآجل. اللهم واجعلنا ممن يعمل لآخرته يارب العالمين.

وَقَدْ أَوْصَتِ السُّلُطَاتُ الصِّحِّيَّةُ مَعَ عَوْدَةِ تَرَاصِّ الصُّفُوفِ فِي المسَاجِدِ بالِالْتِزَامُ بلبْس الكِمَامَةِ، وَأَنْ يُحْضِرَ المصَلِّي سَجَّادَةَ الصَّلَاةِ، وَأَنْ يَحْرِصَ عَلَى التَّطْعِيمِ لِسَلَامَتِهِ وَسَلَامَةِ مَنْ حَوْلَهُ وَخَاصَّةً كِبَارَ السِّنِّ، وَقَدْ أَفَتت وِزَارَةِ الأَوْقَافِ بِهَذَا الخُصُوصِ أَنَّ اتِّبَاعَ هَذِهِ التَّعْلِيمَاتِ وَاجِبٌ دِيْنِيٌّ نَابِعٌ مِنْ حِرْصِ الشَّرِيعَةِ عَلَى سَلَامَةِ الفَرْدِ وَالمجْتَمَعِ، وَأَنَّ المخَالَفَةَ لِهَذِهِ التَّعْلِيمَاتِ فِيهَا مُخَاطَرَةٌ حَقِيقِيَّةٌ بِصِحَّةِ وَسَلَامَةِ النَّاسِ، فَقَدْ نَهَى الإِسْلَامُ عَنِ الضَّرَرِ وَالإِضْرَارِ فَلَا يَضُرُّ الإِنْسَانُ نَفْسَهُ وَلَا غَيْرَهُ؛ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» [أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ].