إن الإنسان يا عباد الله يسعى لهدوء نفسه وسكينتها وطُمأنينتها، وهو ما يسمى بالأمن النفسي، الاطمئنان حين وقوع الفتن والبلايا، قال الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل:112].
وإن من أهم ما يؤدي للأمن النفسي الإيمان بالله تعالى، دعا أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام إلى توحيد الله، وتحطيم الأصنام، فخوفه قومه من آلهتهم التي دعا إلى نبذها، فقال إبراهيم متعجبًا: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام:81]، وقد عقب الله على ذلك حاكمًا بين الفريقين فقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:82] [الأمن النفسي للقرضاوي بتصرف].
عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُمْ بظُلْمٍ﴾، قُلْنَا: يا رَسولَ اللَّهِ، أَيُّنَا لا يَظْلِمُ نَفْسَهُ؟ قالَ: «ليسَ كما تَقُولونَ ﴿لَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُمْ بظُلْمٍ﴾ بشِرْكٍ، أَوَلَمْ تَسْمَعُوا إلى قَوْلِ لُقْمَانَ لِابْنِهِ ﴿يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ باللَّهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾». [رواه البخاري].
ومما يؤدي للأمن النفسي يا عباد الله الإيمان بالقضاء والقدر، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله صلى الله عليه وسلم في القدر، فنزلت: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:48-49] [رواه مسلم]، وقال تعالى: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا﴾، وقالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: «كُلُّ شيءٍ بقَدَرٍ، حتَّى العَجْزِ وَالْكَيْسِ» [رواه مسلم].
ومما يؤدي للأمن النفسي يا عباد الله التوكل على الله تعالى في جميع الأمور، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة:51]، فالمؤمنون يعتمدون عليه سبحانه في جلب مصالحهم ودفع المضار عنهم، ويثقوا به في تحصيل مطلوبهم، فلا خاب من توكل عليه، وأما من توكل على غيره، فإنه مخذول غير مُدركٍ لما أمّلْ. [تيسير الكريم الرحمن بتصرف]. وقال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:23]، قال صلى الله عليه وسلم: «لو أنَّكم توكَّلتُم على اللهِ حقَّ توكُّلِه، لَرزَقَكم كما يرزُقُ الطيرَ؛ تَغْدُو خِماصًا، وترُوحُ بِطانًا». [رواه أحمد]، قال الإمام الشافعي رحمه الله:
تَوَكَّلتُ في رِزقي عَلى اللَهِ خالِقي وَأَيقَنتُ أَنَّ اللَهَ لا شَكَّ رازِقي
وَما يَكُ مِن رِزقي فَلَيسَ يَفوتَني وَلَو كانَ في قاعِ البِحارِ العَوامِقِ
سَيَأتي بِهِ اللَهُ العَظيمُ بِفَضلِهِ وَلَو لَم يَكُن مِنّي اللِسانُ بِناطِقِ
فَفي أَيِّ شَيءٍ تَذهَبُ النَفسُ حَسرَةً وَقَد قَسَمَ الرَحمَنُ رِزقَ الخَلائِقِ
ومما يؤدي للأمن النفسي يا عباد الله الدعاء، ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:186]، ماذا يمنعك عن أن تدعو ربك بما تريد؟!، وقد وعدك بالاستجابة، قال صلى الله عليه وسلم: «ما من مسلِمٍ يَدعو، ليسَ بإثمٍ ولا بِقطيعةِ رَحِمٍ إلَّا أَعطَاه إِحدَى ثلاثٍ: إمَّا أن يُعَجِّلَ لهُ دَعوَتَهُ، وإمَّا أن يَدَّخِرَها لهُ في الآخرةِ، وإمَّا أن يَدْفَعَ عنهُ من السُّوءِ مِثْلَها» قالوا: إذًا نُكثِرَ، قالَ: «اللهُ أَكثَرُ» [صحيح الأدب المفرد (547)].
ومما يؤدي للأمن النفسي يا عباد الله التزام ذكر الله تعالى، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:28]، فقلوب المؤمنين تطيب وتركن إلى جانب الله، وتسكن عند ذكره، وترضى به مولى ونصيرًا. [ابن كثير بتصرف].
وحقيق بها وحريٌّ أن لا تطمئن لشيء سوى ذكره، فإنه لا شيء ألذَّ للقلوبِ ولا أشهى ولا أحلى من محبة خالقها، والأنسِ به ومعرفته، وعلى قدر معرفتها بالله ومحبتها له، يكون ذكرها له. [السعدي]. أقول قولي هذا…..
الخطبة الثانية:
إن مما يؤدي للأمن النفسي يا عباد الله الصبر عند المصائب والملمات، ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل:127]، قال صلى الله عليه وسلم: «مَن يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَن يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ، وَمَن يَصْبِرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَما أُعْطِيَ أَحَدٌ مِن عَطَاءٍ خَيْرٌ وَأَوْسَعُ مِنَ الصَّبْرِ» [رواه مسلم].
روي أن أعرابياً عزى ابن عباس رضي الله عنه بأبيه رضي الله عنه فقال:
اصبر نكن بك صابرين فإنما صبر الرعية عند صبر الراس
خير من العباس صبرك بعده والله خير منك للعباس [منهاج القاصدين]
ومما يؤدي للأمن النفسي يا عباد الله تذكر المبشرات التي بشرنا بها صلى الله عليه وسلم، قال صلى الله عليه وسلم: «لا تَقُومُ السَّاعَةُ حتَّى يُقاتِلَ المُسْلِمُونَ اليَهُودَ، فَيَقْتُلُهُمُ المُسْلِمُونَ حتَّى يَخْتَبِئَ اليَهُودِيُّ مِن وراءِ الحَجَرِ والشَّجَرِ، فيَقولُ الحَجَرُ أوِ الشَّجَرُ: يا مُسْلِمُ يا عَبْدَ اللهِ هذا يَهُودِيٌّ خَلْفِي، فَتَعالَ فاقْتُلْهُ، إلَّا الغَرْقَدَ، فإنَّه مِن شَجَرِ اليَهُودِ» [رواه مسلم].