خطبة اتباع الهوى

     إن من أعظم المبادئ التي حرص عليها الإسلام هي الانقياد لأحكام الشرع وتعاليمه، فتصبح أقوال الإنسان وأفعاله صادرة عن الشرع، مرتبطة بأحكامه، وحينئذٍ تتكامل جوانب الإيمان في وجدانه، فإن المؤمن إذا رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا، حمله ذلك على أن يحكّم شرع الله في حياته، فيحل حلاله، ويحرم حرامه، ويحب ما دعا إليه، ويبغض ما نهى عنه، ولا يجد في ذلك ضيقًا أو تبرمًا، بل لا يعد إيمان العبد صادقا حتى يكون على مثل هذه الحالة من الانقياد ظاهرًا وباطنًا، والتسليم التام لحكم الله ورسوله، كما دلّ عليه قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:56].

    وهذا يقتضي من العبد أن يحب الله ورسوله فوق كل شيء، ويقدّم أمرهما على كل أمر، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة:24].

     وقد ثبت في الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وولده وأهله والناس أجمعين» فلا يكون المؤمن مؤمنًا حتى يقدم محبة الرسول على محبة جميع الخلق، ومحبة الرسول تابعة لمحبة مرسله -جل وعلا-. والمحبة الصحيحة تقتضي المتابعة والموافقة في حب المحبوبات وبغض المكروهات. [جامع العلوم والحكم ص (510)]، ولسنا أيها الأحباب الكرام نريد بهذه المحبة مجرد كلمات تقال، أو شعارات ترفع، لا تثمر عملا ولا انقيادًا، فإن لكل محبة دليلا، ودليل صدق المحبة موافقة المحبوب في مراده، وعدم إتيان ما يكرهه أو يبغضه، وإلا فهي دعاوى لا حقيقة لها، وقد قال العلماء: كل من ادّعى محبة الله ولم يوافق الله في أمره فدعواه باطلة.

تعصي الإله وأنت تظهر حبه … هذا محال في القياس شنيع

لو كان حبك صادقاً لأطعته … إن المحب لمن يحب مطيع

     وإنك لتقرأ في سير الصحابة الكرام ومن بعدهم، فتعتريك الدهشة حين تجد منهم الامتثال الفوري للدين، دون تأخير أو إبطاء، واستمع إلى أنس رضي الله عنه وهو يصف لنا مشهدًا من غزوة خيبر فيقول: أصبنا حمرا فطبخناها، فنادى منادي النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر، فإنها رجس، فأكفئت القدور بما فيها، وإنها لتفور باللحم.

     وقريبٌ من ذلك ما ذكر في يوم تحريم الخمر، إذ امتلأت طرق المدينة بالخمور المراقة على الأرض، هذا مع شدة حبهم لها، وتعلقهم بها منذ الجاهلية، ولكنهم – رضي الله عنهم – قدموا رضا الله فوق كل شيء، ولم يتقاعسوا عن طاعته طرفة عين.

     وكفى بهذا الانقياد ثمرة أن يجد المرء في قلبه حلاوة الإيمان ولذته، فقد روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: – وذكر منها – أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما».

    ومن هنا ندرك أيها الأحباب الكرام أن مخالفة الهوى تتطلّب همّة عالية، وعزيمة صادقة، قال ابن رجب رحمه الله: فجميع المعاصي إنما تنشأ من تقديم هوى النفوس على محبة الله ورسوله، وقد وصف الله المشركين باتباع الهوى في مواضع من كتابه، فقال تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ﴾ [القصص:50]، وكذلك البدع، إنما تنشأ من تقديم الهوى على الشرع، ولهذا يسمى أهلها أهل الأهواء. وكذلك المعاصي، إنما تقع من تقديم الهوى على محبة الله ومحبة ما يحبه. وكذلك حب الأشخاص: الواجب فيه أن يكون تبعا لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم. فيجب على المؤمن محبة الله ومحبة من يحبه الله من الملائكة والرسل والأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين عموما، ولهذا كان من علامات وجود حلاوة الإيمان أن يحب المرء لا يحبه إلا لله. ويحرم موالاة أعداء الله ومن يكرهه الله عموما … وبهذا يكون الدين كله لله. ومن أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان، ومن كان حبه وبغضه وعطاؤه ومنعه لهوى نفسه، كان ذلك نقصا في إيمانه الواجب، فيجب عليه التوبة من ذلك، والرجوع إلى اتباع ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من تقديم محبة الله ورسوله، وما فيه رضا الله ورسوله على هوى النفوس ومراداتها كلها. [جامع العلوم والحكم ص (511)].

      قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص:26]، وقال جل شأنه: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ﴾ [النازعات:40، 41]. اللهم اجعل الجنة دارنا وقرارنا يارب العالمين … أقول…

الخطبة الثانية:

     قال يحيى بن معاذ رحمه الله: ليس بصادق من ادعى محبة الله عز وجل ولم يحفظ حدوده. [جامع العلوم والحكم ص (510)].

    وعمر بن الخطاب رضي الله عنه جاء إلى الحجر الأسود فقبله، فقال: وَاللَّهِ، إنِّي لأُقَبِّلُكَ، وإنِّي أَعْلَمُ أنَّكَ حَجَرٌ، وَأنَّكَ لا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ قَبَّلَكَ ما قَبَّلْتُكَ. [رواه البخاري ومسلم واللفظ له].

الحجر الأسود قبلته *** بشفتي قلبي وكلي وله

لا لاعتقادي أنه نافع *** بل لاقتدائي بالذي قبله

محمد أطهر أنفاسـه *** كانت على صفحته مرسله

قبّله والنورُ من ثغرهِ *** يُشرق آياتِ هدىً مُنزله [إبهاج الحاج للزهراني ص (69)]

     فهو رضي الله عنه قبله طاعة واتباعا لرسول الله صلى الله عليه وسلم لا ابتداعا من نفسه وهواه.

     فالمؤمنون هم أشد الناس حبًا لله جل وعلا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ﴾ [البقرة:165]، وذلك لطاعتهم وتعلقهم بالله جل وعلا وهو سبحانه وتعالى يحبهم  ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا﴾ [مريم:96]، أي حبًا، والله عز وجل يتحبب إلى خلقه ولكنهم يبتعدون عنه بالمعاصي وإنا لله وإنا إليه راجعون، يقول ابن القيم رحمه الله: من أعجب الأشياء أن تعرفه ثم لا تحبه، وأن تسمع داعيه ثم تتأخر عن الإجابة، وأن تعرف قدر الربح في معاملته ثم تعامل غيره، وأن تعرف قدر غضبه ثم تتعرض له، وأن تذوق ألم الوحشة في معصيته ثم لا تطلب الأنس بطاعته. [الفوائد ص (61)].

     اللهم حبِّبْ إلينا الإيمانَ وزَيِّنْه في قلوبِنا، وكَرِّه إلينا الكفرَ والفسوقَ والعصيانَ واجعلْنا من الراشدين اللهم توفَّنا مسلمِين، وأحْيِنا مسلمِين وألحِقْنا بالصالحين، غيرَ خزايا، ولا مفتونين. [صحيح الأدب المفرد (538)].