ها نحن في أيام الانتخابات وقد عاد القيل والقال، والتجسس، والغيبة، والنميمة، والكذب، والخداع، وما إلى ذلك من الكبائر التي حرمها الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم، وفي المجالس تُعد هذه من الفواكه ومن لذة المجالس التي لايكاد مجلس يخلو منها إلا من رحم الله منهم، فإن الشيطان يُغوي بني آدم للكلام على فلان وفلان، والطعن في ذاك وهذا، والتجسس والبحث عن أخبار هذا وذاك، وقد حذرنا ربنا جل وعلا من ذلك فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحجرات:12]، عن قتادة قال: هل تدرون ما التجسس أو التجسيس؟ هو أن تتبع، أو تبتغي عيب أخيك لتطلع على سرّه.
وعن أبي بَرْزة الأسلميّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ، وَلَمْ يَدْخُلِ الْإِيمَانُ قَلْبَهُ: لَا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنِ اتَّبَعَ عَوْرَاتِهِمْ يَتَّبِع اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ يَتَّبِعِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ فِي بَيْتِهِ» [رواه أحمد وأبو داود وابن حبّان، وصحّحه ابن حبّان والألباني].
فمراقبة النّاس وتتبّع أحوالهم تُفسد ولا تُصلح، وقد يظنّ البعض أن مراقبة النّاس تُصلحهم، لكن النبي صلى الله عليه وسلم بين لنا أن ذلك يُفسدهم ولايصلحهم، وقد ورد في حديث معاوية رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعرضوا عن النّاس، ألم تر أنّك إن ابتغيت الرّيبة في الناس أفسدتهم، أو كدت تُفسدُهم» [رواه البخاري في الأدب المفرد وصحّحه الألباني].
والتجسس يا عباد الله يؤدي للغيبة وقد سأل صلى الله عليه وسلم أصحابه فقال: «أَتَدْرُونَ ما الغِيبَةُ؟» قالوا: اللَّهُ ورَسولُهُ أعْلَمُ، قالَ: «ذِكْرُكَ أخاكَ بما يَكْرَهُ». قيلَ: أفَرَأَيْتَ إنْ كانَ في أخِي ما أقُولُ؟ قالَ: «إنْ كانَ فيه ما تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فيه فقَدْ بَهَتَّهُ» [رواه مسلم].
إذا رُمتَ أنْ تَحيا سَليمًــــــــا مِن الأذى *** وَدينُكَ مَوفــــــــــورٌ وعِرْضُكَ صَيِنُّ
لِسانُكَ لا تَذكُرْ بِهِ عَـــــــــــــــــورَةَ امرئٍ *** فَكُلُّكَ عَـــــــــــوراتٌ وللنّاسِ ألسُنُ
وعَيناكَ إنْ أبدَتْ إليكَ مَعايِبًــــــــــــــــــــا *** فَدَعهـا وَقُلْ يا عَينُ للنّاسِ أعيُـنُ
وعاشِرْ بِمَعــروفٍ وســــــامِحْ مَن اعتَدى *** ودَافع ولكن بالتي هِيَ أحسَـــــنُ
وحذرنا صلى الله عليه وسلم من النميمة فقال: «لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ نَمَّامٌ» [رواه مسلم]، لأن النميمة هي: نقل كلام الناس على جهة الإفساد، يريد أن يفوز فلان في الانتخابات فيبدأ وينقل عن خصمه كلامًا ليفسد على خصمه النجاح، وينسى ذلك المسكين أنه قد أدخل نفسه في هذا الإثم الخطير الذي يُبعد عن الجنة والعياذ بالله من ذلك.
فمن فعل ذلك وهو يعلَمُ أنَّه حرامٌ تحت تأثيرِ نَزغةٍ شَيطانيَّةٍ، فهو عاصٍ لله تعالى، ومرتكب لكبيرة،، لا يدخُلُ الجَنَّةَ حتى يعاقَبَ على جريمتِه هذه بالنَّارِ، إلا أن يعفوَ اللهُ عنه، أو يتوبَ من جريمتِه؛ وذلك لأنَّ النميمةَ ظاهِرةٌ عُدوانيَّةٌ خَطيرةٌ تُفَكِّكُ المجتَمَعَ، وتُقطَعُ العلاقاتِ، وهي وليدةُ الحقدِ والحَسَدِ؛ ولهذا كان النمَّامُ بغيضًا إلى نفوسِ العُقَلاءِ مَنبوذًا عندهم، لا يرتاحون إليه. [شرح موقع درر بتصرف].
قال صلى الله عليه وسلم: «خيارُ عِبادِ اللهِ الذين إذا رُؤوا؛ ذُكِرَ اللهُ، وشِرارُ عِبادِ اللهِ المشَّاؤونَ بالنَّميمةِ، المُفرِّقونَ بينَ الأحِبَّةِ، الباغونَ البُرَآءَ العَنَتَ» [رواه أحمد وحسنه الأرناؤوط]. أي الباغون للبريء العيب.
فاللهم لاتجعلنا منهم يا رب العالمين، أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم فاستغفروه..
الخطبة الثانية:
مما ينتشر في المجالس في هذه الأيام يا عباد الله الكذب، والكذب هو الإخبار بالشيء بخلاف ما هو عليه مع العلم والتعمد. وهو كبيرة تجر صاحبها والعياذ بالله إلى النار، كما في الحديث المتفق عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ الكَذِبَ يَهْدِي إلى الفُجُورِ، وإنَّ الفُجُورَ يَهْدِي إلى النَّارِ، وإنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا»، ويؤدي إلى اللعن والطرد من رحمة الله قال تعالى: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ [الذاريات:10]، أي لعن الكذابون، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر:28]، وهو من خصال أهل النفاق، كما جاء في الحديث المتفق عليه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان». [الشبكة الإسلامية بتصرف].
فيحرص البعض على فوز صاحبه ويتهاون في فعل أي شيء حتى الكذب، وينسى بأن هذه الدنيا فانية وأنه قد أوقع نفسه في كبيرة من الكبائر واللعن والنفاق ووعيد الله تعالى والعياذ بالله من أجل فوز فلان أو فلان!
فاللهم اجعلنا من المبتعدين عن الكبائر يا رب العالمين، المستقيمين على طاعتك وما يرضيك ياذا الجلال والإكرام.